الصومال والعلاقات الدولية: تقييم دقيق وقرارات حاسمة

يشهد المشهد السياسي في الصومال تطورات متسارعة، كان آخرها قرار الحكومة الصومالية إلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع دولة الإمارات العربية المتحدة. هذا القرار، الذي أثار جدلاً واسعاً، جاء نتيجة لتقييم شامل للعلاقات الثنائية، وتأكيداً على سيادة الصومال وحماية مصالحه الوطنية. في حوار خاص مع الجزيرة نت، أوضح وزير الدولة للشؤون الخارجية الصومالي، علي محمد عمر، تفاصيل هذا القرار وتداعياته، بالإضافة إلى موقف الصومال من الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال، والتحديات التي تواجه البلاد في ظل الأوضاع الإقليمية المعقدة. هذا التحول في السياسة الخارجية الصومالية يستدعي فهمًا معمقًا للدوافع والأهداف الكامنة وراءه، وتأثيره المحتمل على مستقبل المنطقة.

دوافع إلغاء الاتفاقيات مع الإمارات العربية المتحدة

لم يكن قرار إلغاء الاتفاقيات مع الإمارات العربية المتحدة قرارًا مفاجئًا أو عشوائيًا، بل هو تتويج لعملية تقييم دقيقة استمرت لسنوات. وأكد الوزير علي محمد عمر أن هذا الإجراء جاء نتيجة لتراكمات سلبية في العلاقات الثنائية، وأن الهدف منه هو حماية سيادة البلاد ووحدتها واستقلالها.

“لقد توصلنا إلى قناعة بأن بعض البنود في هذه الاتفاقيات تقوض مصالحنا الوطنية، وتسمح بتدخلات غير مقبولة في شؤوننا الداخلية.” صرح الوزير.

ويشمل الإلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع الحكومة الإماراتية، بما في ذلك الوكالات الحكومية والكيانات ذات الصلة، بالإضافة إلى الاتفاقيات الموقعة مع الإدارات الإقليمية داخل الصومال. وأشار الوزير إلى أن أي استثمار أجنبي في الصومال يجب أن يتم من خلال القنوات الرسمية والقانونية، وأن الاستثمارات التي تمت في مناطق مثل بربرة وبصاصو تخضع حاليًا للمفاوضات لإيجاد حلول قانونية. وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق، ستضطر الحكومة الصومالية إلى اتخاذ إجراءات دولية لحماية حقوقها.

مستقبل القواعد العسكرية الإماراتية في الصومال

أحد أبرز جوانب هذا القرار يتعلق بالقواعد العسكرية الإماراتية الموجودة في الصومال. وأوضح الوزير أن هذه القواعد كان يجب أن تكون قائمة على اتفاق دفاعي رسمي مع الصومال، وهو الاتفاق الذي تم إلغاؤه الآن.

“بناءً على ذلك، يجب على جميع القوات والمعدات العسكرية الإماراتية مغادرة الصومال امتثالاً لقرار مجلس الوزراء.” أكد الوزير.

كما انتقد الوزير تعامل الإمارات مع “كيانات غير الحكومة المركزية”، واعتبر ذلك محاولة لتقويض سلطة الدولة وبناء أجهزة أمنية موازية. وأشار إلى أن هذا الأمر أدى إلى تفاقم الخلافات بين الحكومة المركزية والولايات الأعضاء.

رد فعل الصومال على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال

أثار إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الاعتراف بإقليم أرض الصومال كـ”دولة مستقلة ذات سيادة” رد فعل قوي من الحكومة الصومالية. ووصف الوزير علي محمد عمر هذا الاعتراف بأنه “قرار متهور” لا يراعي القواعد الدولية.

“أرض الصومال هي جزء لا يتجزأ من الصومال، ولا يحق لأي دولة الاعتراف باستقلالها من جانب واحد.” شدد الوزير.

وأوضح أن إقليم أرض الصومال أعلن استقلاله في عام 1991، لكنه لم يحصل على أي اعتراف دولي حتى الآن. وأشار إلى أن معظم القبائل في المنطقة تدعم الوحدة الصومالية، وأن قبيلة واحدة فقط هي التي تطالب بالانفصال.

الصومال في قلب الصراعات الإقليمية

أكد الوزير علي محمد عمر أن الصومال يقع في منطقة ذات أهمية جيوسياسية واستراتيجية كبيرة، وأن البلاد مستهدفة من قبل قوى إقليمية ودولية تسعى إلى النفوذ والسيطرة على الممرات الملاحية الحيوية. وأشار إلى أن الصومال يدرك هذه التحديات ويعمل على تعزيز قدراته الدفاعية والدبلوماسية لحماية مصالحه.

“من اليمن إلى إريتريا وإثيوبيا، تتشابك خيوط الصراعات، مما يضع الصومال في قلب معادلة جيوسياسية معقدة.” قال الوزير.

تحدي حركة الشباب المجاهدين

لا يمكن الحديث عن التحديات التي تواجه الصومال دون التطرق إلى حركة الشباب المجاهدين. وأوضح الوزير أن الحركة تضم العديد من القادة الأجانب والمقاتلين من خارج الصومال، مما يؤكد طبيعتها العابرة للحدود. وأكد أن الحكومة الصومالية تعمل بجد على إضعاف الحركة وتقليص تأثيرها، وأنها تأمل في القضاء عليها خلال العامين القادمين.

عودة الصومال إلى الساحة الدولية

أعرب الوزير عن تفاؤله بمستقبل الصومال وعودته القوية إلى الساحة الدولية. وأشار إلى التقدم الكبير الذي حققته الحكومة الصومالية في عام 2023، بما في ذلك استكمال متطلبات مبادرة “هيبك” لتخفيف الديون، والانضمام إلى تجمعات شرق أفريقيا، والحصول على مقعد في مجلس الأمن.

“نحن ممتنون للدعم الذي نتلقاه من الدول المسلمة والمجتمع العربي والأفريقي والأوروبي.” قال الوزير.

كما أكد أن الحكومة الصومالية تعمل على إجراء إصلاحات دستورية وسياسية لتعزيز الديمقراطية والمشاركة الشعبية، بما في ذلك الانتقال من الدستور المؤقت إلى الدائم، ومن نظام الانتخابات غير المباشرة إلى نظام “شخص واحد، وصوت واحد”.

في الختام، يمثل قرار إلغاء الاتفاقيات مع الإمارات العربية المتحدة نقطة تحول في السياسة الخارجية الصومالية، ويعكس حرص الحكومة على حماية سيادة البلاد ومصالحها الوطنية. وفي ظل التحديات الإقليمية والدولية المتزايدة، يتطلب الأمر يقظة وحزماً من الحكومة الصومالية للدفاع عن استقلالها ووحدتها، وتحقيق الاستقرار والازدهار لشعبها. هذا التطور يستدعي متابعة دقيقة وتحليل معمق لفهم تداعياته المحتملة على مستقبل الصومال والمنطقة بأسرها.

شاركها.
اترك تعليقاً