عاد الجدل حول الأجسام الطائرة المجهولة إلى الواجهة مجدداً بعد تحليل علماء حديثاً لصور فلكية قديمة التقطت في خمسينيات القرن الماضي. هذه الصور، التي أخذها مرصد بالومار الشهير في كاليفورنيا، أظهرت ومضات ضوئية غامضة لم يتمكن الباحثون من تفسيرها بشكل قاطع حتى الآن. هذا الاكتشاف يثير من جديد تساؤلات حول طبيعة هذه الظواهر وهل هي مجرد أخطاء في الرصد أم شيء آخر.

نشرت هذه النتائج في مجلات علمية مرموقة، مما أعاد القضية إلى دائرة النقاش الأكاديمي بعد فترة من الهدوء. هذا التحول يرجع إلى التطورات في أدوات التحليل العلمي وقدرتها على إعادة فحص الأرشيف الفلكي القديم بمنظور جديد، وليس فقط بدافع الفضول العام.

ماذا تعني عبارة “أجسام طائرة مجهولة” علمياً؟

وفقاً للموسوعة البريطانية، فإن مصطلح الأجسام الطائرة المجهولة لا يشير بالضرورة إلى مركبات فضائية، ولا يحمل أي افتراض مسبق حول أصل هذه الأجسام. بل هو وصف لأي جسم أو ظاهرة جوية لا يمكن للراصد تحديد ماهيتها في لحظة المشاهدة.

هذا التمييز مهم للغاية، لأن الخلط بين “غير معروف” و”غير بشري” ساهم في تضخيم هذه الظاهرة على مر العقود. الكثير من الأجسام التي بدت غامضة في البداية، تبين لاحقاً أنها طائرات، أو بالونات، أو ظواهر فلكية طبيعية لم تكن مفهومة بشكل كامل في ذلك الوقت.

في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات، قام مرصد “هيل” في جبل بالومار بمسح شامل للسماء الشمالية باستخدام ألواح فوتوغرافية زجاجية. لم يكن الهدف من هذا المسح هو البحث عن ظواهر غريبة، بل إنشاء خريطة دقيقة للكون المرئي. ومع ذلك، كشف تحليل حديث لهذه الصور عن آلاف الومضات الضوئية التي ظهرت واختفت بسرعة.

وصف العلماء هذه الظواهر بأنها “عابرة”، أي أنها قصيرة الأمد ولا تترك أثراً دائماً. لكن ما يميز بعض هذه الومضات هو شدتها العالية، وظهورها أحياناً في صفوف مستقيمة، واختفائها تماماً في الصور اللاحقة أو السابقة. هذه الخصائص جعلت تفسيرها أكثر صعوبة.

تفسيرات محتملة للظاهرة

أشار ستيفن برويل، أحد الباحثين المشاركين في الدراسة، إلى أن الفريق استبعد العديد من التفسيرات الطبيعية المحتملة، مثل النجوم المتغيرة والشهب وأخطاء الأجهزة. ومع ذلك، أكد برويل أن هذه الظواهر لا تزال غير مفهومة بشكل كامل، وأنها قد تكون مرتبطة بتجارب الأسلحة النووية التي كانت تجرى في ذلك الوقت.

توضح هذه التصريحات التحديات التي تواجه العلماء في محاولة فهم الظواهر المرصودة قبل عصر الأقمار الصناعية والتكنولوجيا المتقدمة. كما تبرز أهمية الجمع بين تحليل الأرشيف الفلكي والبحث العلمي الدقيق لمحاولة تفسير المجهول.

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن بعض النقاط الضوئية المختفية التي ظهرت في صور مرصد بالومار قد لا تكون نجوماً حقيقية، بل عيوباً تقنية في الألواح الفوتوغرافية الزجاجية الحساسة للضوء، مثل الفقاعات أو الثقوب الصغيرة في المستحلب. بالإضافة إلى ذلك، تبين أن جزءاً من هذه الظواهر قد يكون ناتجاً عن تلوث إشعاعي من اختبارات الأسلحة النووية في الولايات المتحدة، والذي أثر على الأفلام والمواد المستخدمة في التصوير.

اكتشف هذا الأمر الدكتور جوليان ويب، الخبير لدى شركة “كوداك” للتصوير، الذي تتبع سبب البقع الداكنة على الأفلام ووجد أنها مرتبطة بنظير “السيريوم 141” الناتج عن الانفجارات النووية. هذا الاكتشاف يضيف بعداً جديداً لفهم هذه الظواهر الغامضة.

الغموض والإدراك البشري

يرى بعض علماء الفلك أن الاعتماد على بيانات قديمة قد يحمل مخاطر كبيرة، حيث أن الألواح الفوتوغرافية المستخدمة في منتصف القرن العشرين كانت عرضة للخدوش والغبار والتلف. كما أن عمليات النسخ والرقمنة قد تضيف تشوهات بصرية يصعب تمييزها عن الظواهر الحقيقية. لذلك، يجب التعامل مع هذه البيانات بحذر شديد.

بالإضافة إلى ذلك، يلفت علماء النفس والبصريات الانتباه إلى أن الإدراك البشري ليس محايداً. السماء المفتوحة تفتقر إلى نقاط مرجعية، مما يجعل تقدير الحجم والسرعة والمسافة أمراً صعباً للغاية. كما أن الانعكاسات والعدسات والأضواء الساطعة قد تولد أشكالاً توحي بالحركة الذكية، مما يؤدي إلى سوء التفسير.

وفيما يتعلق بقصص “الاختطاف من قبل كائنات فضائية”، يشير معظم المختصين إلى أن هذه التجارب غالباً ما تنشأ من عمليات إدراكية ونفسية لدى الشخص، وليست نتيجة لأدلة فيزيائية حقيقية. حالات مثل شلل النوم يمكن أن تؤدي إلى تجارب واقعية ومخيفة، تشمل إحساساً بوجود كائنات أو حركات حول الشخص، على الرغم من عدم وجود أي سبب خارجي لذلك.

بعد مراجعة المعطيات العلمية والتاريخية والرسمية، يمكن الوصول إلى نتيجة متوازنة: هناك بالفعل أشياء في السماء لا يمكننا التعرف عليها على الفور، وظواهر لم يتم تفسيرها بشكل كامل. لكن هذا لا يعني أن هذه الأجسام ذات أصل غير بشري. وحتى الآن، لا يوجد دليل علمي قاطع يثبت أن الأرض زارتها مركبات فضائية لكائنات ذكية.

من المتوقع أن يستمر العلماء في تحليل صور الأرشيف الفلكي القديمة باستخدام تقنيات جديدة وأكثر تطوراً. كما أنهم سيواصلون مراقبة السماء بحثاً عن أي ظواهر غير مفسرة. في غضون ذلك، تبقى الأجسام الطائرة المجهولة موضوعاً مثيراً للجدل والفضول، وستظل تثير التساؤلات حتى يظهر دليل قاطع يفسر طبيعتها الحقيقية.

شاركها.
اترك تعليقاً