يرتبط تناول السكر غالبًا بالتحذيرات الصحية، إلا أن دراسة حديثة نشرت في دورية “نيتشر كوميونيكيشنز” سلطت الضوء على إمكانية تحويل السكر إلى مصدر اقتصادي واعد. فقد نجح فريق بحثي من مركز وزارة الطاقة الأميركية للابتكار المتقدم في مجال الطاقة الحيوية والمنتجات الحيوية بجامعة إلينوي كابي في تحويل جزيئات السكر إلى مادة كيميائية أساسية، وهي حمض الأكريليك، الذي يشهد سوقه العالمي نموًا هائلاً.

هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام إنتاج أكثر استدامة وربحية لحمض الأكريليك، وهو مركب كيميائي حيوي يستخدم في صناعة مجموعة واسعة من المنتجات، بدءًا من حفاضات الأطفال وصولًا إلى الدهانات والبلاستيك. وتقدر قيمة سوق حمض الأكريليك العالمي بحوالي 20 مليار دولار سنويًا، مع طلب يتجاوز 6.6 مليون طن، وفقًا لبيانات مركز كابي.

إنتاج حمض الأكريليك من السكر: ثورة في الصناعة الكيميائية

تقليديًا، يتم إنتاج حمض الأكريليك من خلال عمليات كيميائية معقدة تعتمد على المشتقات البترولية، مما يجعلها مكلفة وتتسبب في أضرار بيئية كبيرة. وقد بذلت جهود سابقة لإنتاج هذه المادة الحيوية من السكريات النباتية، ولكنها لم تنجح في تحقيق جدوى اقتصادية بسبب التحديات التقنية والتكاليف المرتفعة.

يكمن سر نجاح الفريق البحثي في استخدام نوع فريد من الخميرة، وهو “إيساتشنكيا أوريانتاليس”، يتميز بقدرته العالية على تحمل البيئات الحمضية. هذه الخاصية تسمح بتبسيط عملية التخمير وتقليل الحاجة إلى تعديل الحموضة أو إضافة مواد كيميائية حافظة، مما يقلل التكاليف ويجعل العملية أكثر صداقة للبيئة.

تعديل الخميرة لتحسين الإنتاج

لم يكتفِ الباحثون باستخدام هذه الخميرة المتميزة، بل قاموا بتعديلها وراثيًا لزيادة كفاءة إنتاج حمض 3-هيدروكسي بروبيونيك (3-HP)، وهو المركب الذي يتحول لاحقًا إلى حمض الأكريليك. وقد ركزوا على تحسين المسارات الأيضية داخل الخميرة لضمان استغلالها الأمثل للسكريات وتحويلها إلى المنتج المطلوب.

وقد أظهرت التجارب المعملية نتائج مبهرة، حيث حقق الفريق كفاءة إنتاج بلغت 70%، وتركيزًا وصل إلى 92 غرامًا لكل لتر. هذه الأرقام تتجاوز بكثير الحد الأدنى المطلوب لتحقيق الربحية الصناعية، وتعتبر الأعلى عالميًا بين جميع الأنظمة الحيوية المعروفة لإنتاج حمض الأكريليك، وفقًا للباحثين.

بالإضافة إلى ذلك، أجرت الدراسة تحليلات اقتصادية وبيئية شاملة، أكدت أن إنتاج حمض الأكريليك من السكر باستخدام هذه التقنية الجديدة ليس فقط مربحًا من الناحية المالية، بل أيضًا أقل تأثيرًا على البيئة مقارنة بالطرق التقليدية. وهذا يعزز من جاذبية هذه التقنية كبديل مستدام للصناعة الكيميائية.

تعتبر هذه التطورات خطوة مهمة نحو تحقيق الاستدامة في الصناعات الكيميائية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. كما أنها تفتح آفاقًا جديدة للاستفادة من الموارد المتجددة، مثل السكر، في إنتاج المواد الكيميائية الأساسية التي تدخل في حياتنا اليومية. وتشير التوقعات إلى أن هذه التقنية قد تلعب دورًا حاسمًا في مستقبل الصناعة الكيميائية، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على المنتجات المستدامة والصديقة للبيئة.

الخطوة التالية المتوقعة هي توسيع نطاق الإنتاج وتجربة هذه التقنية في بيئة صناعية حقيقية. من المتوقع أن يتم الانتهاء من هذه المرحلة التجريبية بحلول نهاية عام 2027، مما سيمكن من تقييم الجدوى الاقتصادية والتقنية للتقنية على نطاق واسع. ومع ذلك، لا تزال هناك بعض التحديات التي يجب التغلب عليها، مثل تحسين كفاءة عملية التخمير وتقليل تكاليف الإنتاج، قبل أن تتمكن هذه التقنية من المنافسة بفعالية في السوق العالمي. ومن المهم متابعة التطورات في هذا المجال لمعرفة ما إذا كانت هذه التقنية ستتمكن من تحقيق إمكاناتها الكاملة وتغيير وجه الصناعة الكيميائية.

شاركها.
اترك تعليقاً