الجلد ليس مجرد غطاء واقٍ للكائنات الحية، بل هو واجهة ديناميكية تتفاعل مع البيئة المحيطة. هذه القدرة التفاعلية تبلغ أوجها في جلد الأخطبوط، القادر على تغيير لونه وملمسه بشكل فوري للتكيف مع محيطه، وهو سلوك يثير إعجاب العلماء ويدفعهم لاستكشاف إمكانية محاكاة هذه الخاصية في المواد الصناعية. هذا التطور قد يفتح آفاقًا جديدة في مجالات متعددة، من الرعاية الصحية إلى التمويه العسكري.

هذا الاهتمام المتزايد بتقليد جلد الأخطبوط يأتي في ظل سعي مستمر لتطوير مواد أكثر ذكاءً واستجابة للمؤثرات الخارجية. فالعلماء يسعون إلى إنشاء أسطح تتجاوز كونها مجرد هياكل ثابتة، لتصبح عناصر تفاعلية قادرة على التكيف مع احتياجات المستخدمين والبيئات المختلفة. وقد أظهرت الأبحاث الحديثة تقدمًا ملحوظًا في هذا المجال، مع التركيز على تطوير مواد قادرة على تغيير لونها وملمسها بشكل مستقل.

مادة صناعية تحاكي جلد الأخطبوط

يعمل فريق بحثي بقيادة نيكولاس ميلوش، أستاذ جامعة ستانفورد المتخصص في المواد اللينة المستوحاة من الطبيعة، على تطوير مادة صناعية قادرة على الجمع بين تغيير اللون وتغيير الملمس في نظام واحد، على غرار جلد الأخطبوط. ويعتمد هذا العمل على فهم دقيق لكيفية عمل جلد الأخطبوط على المستوى الميكروسكوبي.

وفقًا لميلوش، فإن التحدي الرئيسي يكمن في التحكم الدقيق في بنية المادة على مقياس أصغر من ميكرون واحد، وهو ما يتطلب تقنيات متقدمة في تصنيع المواد النانوية. المادة نفسها تتميز بليونتها الشديدة، مما يجعل تشكيلها والتحكم في حجمها أمرًا معقدًا.

للتغلب على هذه الصعوبات، استعان الفريق بتقنيات مستخدمة في صناعة أشباه الموصلات، والتي تسمح بتشكيل المادة بشكل انتقائي وإنشاء هياكل تعكس ألوانًا مختلفة من الضوء، بالإضافة إلى توفير نسيج على سطحها. هذه التقنية تتيح التحكم في خصائص المادة بشكل مستقل، وهو ما لم يتحقق في المحاولات السابقة.

يؤكد سيدهارث دوشي، الباحث المشارك في الفريق بجامعة ستانفورد، أن المشكلة التي واجهت الأبحاث السابقة كانت في ارتباط تغيير اللون والملمس ببعضهما البعض. ففي السابق، كان أي تغيير في شكل المادة وملمسها يؤدي إلى تغيير تلقائي في اللون، والعكس صحيح. الفريق الحالي نجح في فصل هذا الارتباط، مما يتيح التحكم المستقل في كل خاصية.

تطبيقات واسعة النطاق

تتجاوز تطبيقات هذه المواد الذكية مجرد التقليد البصري. فالقدرة على التحكم في ملمس السطح قد تكون ذات قيمة كبيرة في البيئات الصحية، حيث يمكن استخدامها لإنشاء أسطح أكثر مقاومة للبكتيريا أو أقل مقاومة للسوائل. بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام هذه المواد في تطوير روبوتات أكثر تفاعلية وأمانًا.

كما أن الإلهام المستمد من جلد رأسيات الأرجل لا يقتصر على التمويه، بل يمتد إلى الإشارة والتواصل. فقد تستخدم هذه الكائنات جلدها كوسيلة للتعبير، وهو ما يفتح المجال للتفكير في جلود صناعية تمنح الروبوتات طرقًا جديدة للتفاعل مع البشر، عبر تغيير اللون أو الملمس، بدل الاعتماد فقط على الشاشات أو الإشارات الصوتية.

من المستشفيات إلى ساحات الحرب

لا تقتصر استخدامات هذه التقنية على التطبيقات المدنية، بل تمتد إلى المجالات العسكرية. فالقدرة على تغيير المظهر أو الملمس قد تكون ذات قيمة في تمويه المعدات أو الروبوتات الصغيرة العاملة في بيئات حساسة، أو في تقليل الاحتكاك والضجيج أثناء الحركة. هذه الخصائص يمكن أن تعزز بشكل كبير من فعالية العمليات العسكرية وتقلل من المخاطر التي يتعرض لها الجنود.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام أسطح قادرة على نقل معلومات عبر اللمس أو التغير البصري كوسيلة صامتة للتنبيه أو التواصل في بيئات عملياتية لا تسمح بالاعتماد على الصوت أو الضوء. هذه القدرة يمكن أن تكون حاسمة في المواقف التي تتطلب السرية والتنسيق الدقيق.

ومع ذلك، يرى ميلوش أن هذه التقنيات لا تزال تواجه تحديات كبيرة، خاصة فيما يتعلق بمتانة المواد. فالاستخدام المتكرر قد يؤدي إلى تآكل المادة وفقدانها لخصائصها المميزة. لذلك، فإن تطوير مواد أكثر متانة ومقاومة للتآكل هو أمر ضروري لتحقيق الاستفادة الكاملة من هذه التقنية.

وفي الختام، يمثل تطوير المواد الصناعية القادرة على محاكاة جلد الأخطبوط خطوة مهمة نحو إنشاء مواد أكثر ذكاءً وتفاعلية. من المتوقع أن يشهد هذا المجال تطورات كبيرة في السنوات القادمة، مع التركيز على تحسين متانة المواد وتوسيع نطاق تطبيقاتها. من المرجح أن يتم إجراء المزيد من الأبحاث والتجارب خلال العامين القادمين لتقييم أداء هذه المواد في ظروف مختلفة وتحديد أفضل الطرق لتطبيقها في المجالات المختلفة. يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الأداء والمتانة والتكلفة، وهو ما سيتطلب جهودًا متواصلة من الباحثين والمهندسين.

شاركها.
اترك تعليقاً