في اكتشاف أثري مهم، أعاد فريق بحثي مغربي-فرنسي دولي فتح صفحة جديدة في تاريخ الإنسان القديم في أفريقيا، وذلك في مغارة مقالع طوما في جنوب غرب الدار البيضاء. تعود هذه الاكتشافات إلى حوالي 773 ألف سنة، وتشمل بقايا فكان وأجزاء من هياكل بشرية، مما يلقي الضوء على المراحل المبكرة من تطور الجنس البشري في المنطقة.

وقد تم العثور على فكان سفليين لراشدين، أحدهما شبه مكتمل، بالإضافة إلى فك سفلي لطفل يبلغ من العمر حوالي سنة ونصف، وعدد من الأسنان وبقايا فقرات وعظم الفخذ. تشير التحليلات الأولية إلى أن هذه البقايا تمثل مزيجًا من الخصائص التي تميز الإنسان المنتصب، مع ظهور بعض السمات الأكثر حداثة.

البحث في الإنسان القديم: دقة غير مسبوقة في تحديد العمر

اعتمد الباحثون في تحديد عمر هذه الاكتشافات على تقنية “المغناطيسية الطبقية”، وهي طريقة تعتمد على دراسة التغيرات في المجال المغناطيسي للأرض عبر الزمن. يسمح تحليل هذه التغيرات بتحديد التواريخ بدقة أكبر، خاصة مع وجود علامات زمنية واضحة مثل “انقلاب ماتوياما–برونهس” الذي يُقدر بحوالي 773 ألف سنة.

يعتبر هذا الاكتشاف فريدًا من نوعه بسبب الدقة العالية في تحديد عمر البقايا، وهو ما يقلل من هامش الخطأ الذي عادة ما يرتبط بدراسة الحفريات القديمة. غالبًا ما تكون تقديرات عمر الحفريات واسعة النطاق، بفروقات قد تصل إلى مئات الآلاف من السنين، لكن في هذه الحالة، فإن العلامة المغناطيسية توفر مرجعًا زمنيًا موثوقًا.

وبحسب وزارة الثقافة المغربية، فإن هذه التقنية ساهمت في تأكيد أن هذه البقايا تنتمي إلى فترة حرجة في تطور الجنس البشري، مما يجعلها ذات أهمية كبيرة للباحثين.

التطور البشري في شمال أفريقيا

لفترة طويلة، ركزت دراسات التطور البشري بشكل أساسي على شرق أفريقيا وأوروبا، مع اعتبار شمال أفريقيا منطقة عبور بين القارات. تلك النظرة بدأت تتغير مع الاكتشافات الأخيرة التي تشير إلى أن المنطقة لعبت دورًا أكثر أهمية في قصة تنوع الجنس البشري.

تشير بقايا العظام المكتشفة إلى وجود مجموعة بشرية قديمة جدًا في شمال أفريقيا، بتاريخ محدد بدقة بفضل تقنية المغناطيسية الطبقية. هذا يدل على أن شمال أفريقيا لم يكن مجرد ممر، بل كان أيضًا مركزًا هامًا لتطور الإنسان، وربما نقطة انطلاق لانتشار البشر إلى مناطق أخرى.

تشكل هذه الاكتشافات عنصرًا هامًا في فهم أصل الإنسان وتطوره، بالإضافة إلى أنها تساهم في إغناء المعرفة حول تاريخ المغرب وقارته الإفريقية. تُعد كذلك دليلًا على أهمية المنطقة في مجال الآثار القديمة.

في الوقت الحاضر، يواصل الفريق البحثي تحليل البقايا المكتشفة بعناية، وسيقومون بنشر المزيد من التفاصيل حول الاكتشافات في الأيام والأسابيع القادمة. وتشمل الخطوات التالية إجراء دراسات الحمض النووي – إذا أمكن – للمقارنة مع بقايا بشرية أخرى من نفس الفترة، بهدف تحديد العلاقات التطورية بشكل أدق. من المتوقع أيضًا إجراء المزيد من التنقيبات في مغارة مقالع طوما ومواقع أخرى قريبة، بهدف العثور على المزيد من الأدلة التي يمكن أن تساعد في إعادة بناء قصة البشر الأوائل في شمال أفريقيا.

شاركها.
اترك تعليقاً