لطالما كان يُعتقد أن القشرة الأرضية ثابتة، لكن الأبحاث الحديثة تكشف عن مرونتها وقدرتها على الاستجابة للتغيرات في الأحمال السطحية. دراسة جديدة، نشرت في الأول من مايو عام 2026، تقدم دليلاً مقنعاً على أن القشرة الأرضية في إثيوبيا تتنفس صعوداً وهبوطاً استجابةً للتغيرات الموسمية في كمية المياه، مما يؤكد مفهوم التحميل المرن لكتلة السطح وأهمية مراقبة هذه الظاهرة.
تأتي هذه النتائج من فريق بحثي في جامعة مادا والابو بإثيوبيا، والذي نجح في فصل الإشارات الناتجة عن الأمطار عن الأنشطة التكتونية المعقدة في الأخدود الأفريقي العظيم، وهو أمر يمثل تحدياً علمياً كبيراً. وقد استخدم الفريق مزيجًا من بيانات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وبيانات الأقمار الصناعية لرصد هذه التغيرات الدقيقة، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم ديناميكيات القشرة الأرضية واستجابتها للعوامل البيئية.
ما هو التحميل المرن لكتلة السطح؟
يشير الدكتور عبديسا كاو كوجي، قائد الفريق البحثي، إلى أن القشرة الأرضية تتصرف بشكل مشابه للمرتبة الإسفنجية. في موسم الأمطار، تزداد كمية المياه في الأنهار والبحيرات والتربة، مما يزيد من الكتلة فوق القشرة ويؤدي إلى انخفاضها الطفيف. وعندما تنحسر الأمطار، تقل الكتلة، وترتد القشرة إلى الأعلى. هذه العملية، المعروفة علميًا بالتحميل المرن لكتلة السطح، تحدث في مناطق مختلفة حول العالم، بما في ذلك المناطق التي تشهد ذوبان الجليد وأحواض الأنهار الكبرى.
التحديات في إثيوبيا
رصد هذه الظاهرة في إثيوبيا كان صعبًا بشكل خاص بسبب موقعها في الأخدود الأفريقي العظيم، وهي منطقة تشهد نشاطًا تكتونيًا مكثفًا. حيث تتداخل إشارات المياه مع تأثيرات الزلازل والصدوع والبراكين. وللتغلب على هذا التحدي، استعان الباحثون بتحليل متكامل لبيانات GPS وبيانات أقمار جريس، وهو مشروع فضائي لرصد تغيرات الجاذبية الأرضية.
كيف تم رصد هذه الظاهرة في إثيوبيا؟
استخدم الفريق بيانات GPS لقياس حركة القشرة الأرضية مباشرةً، وتسجيل أي هبوط أو ارتفاع يحدث نتيجة لتغيرات وزن المياه. بينما رصدت أقمار جريس تغيرات الجاذبية المرتبطة بزيادة أو نقصان كتلة المياه على نطاق واسع. ومن خلال الجمع بين هذه البيانات، تمكن الباحثون من تحديد الاستجابة المرنة للقشرة الأرضية بشكل أكثر دقة.
بالإضافة إلى ذلك، قام الفريق بتطوير نماذج هيدرولوجية تحاكي حركة المياه في التربة والأنهار. وقارنوا نتائج هذه النماذج بالقياسات الفعلية التي تم جمعها من خلال محطات GPS. وأي اختلافات بين القيم المتوقعة والقيم الملاحظة تم تفسيرها على أنها ناتجة عن الأنشطة البشرية، مثل إنشاء السدود.
أهمية فهم حركة القشرة الأرضية
فهم هذه الظواهر أمر بالغ الأهمية لعدة أسباب، بما في ذلك إدارة الموارد المائية وتقييم المخاطر الجيولوجية. إن معرفة كيفية استجابة القشرة الأرضية للتغيرات المناخية يمكن أن تساعد في التنبؤ بالفيضانات والجفاف، وتحسين تصميم السدود والبنية التحتية الأخرى. كما أن مراقبة حركة القشرة الأرضية يمكن أن توفر معلومات قيمة حول النشاط التكتوني، وتساعد في التخفيف من آثار الزلازل.
ترتبط هذه الدراسة بشكل وثيق بموضوع تغير المناخ، حيث تظهر كيف يمكن أن تؤثر التغيرات في أنماط هطول الأمطار على القشرة الأرضية. وهناك أيضًا علاقة بمفهوم الاستدامة البيئية، حيث يساعد فهم هذه العمليات على إدارة الموارد المائية بشكل مستدام. كما تساهم في مجال الجيوفيزياء من خلال توفير بيانات ورؤى جديدة حول ديناميكيات الأرض.
يخطط الفريق البحثي الآن لتوسيع نطاق دراستهم ليشمل مناطق أخرى من الأخدود الأفريقي العظيم، بالإضافة إلى دراسة تأثير الأنشطة البشرية على حركة القشرة الأرضية بشكل أكثر تفصيلاً. من المتوقع أن يتم نشر نتائج هذه الأبحاث الجديدة في أواخر عام 2027. مع استمرار التغيرات المناخية والازدياد في الأنشطة البشرية، فإن مراقبة وفهم سلوك القشرة الأرضية سيصبحان أكثر أهميةً من أي وقت مضى. ويتوقع العلماء أن توفر الدراسات المستقبلية رؤى أعمق حول هذه العمليات المعقدة، مما يساعد على التنبؤ بالمخاطر الطبيعية وحماية المجتمعات المعرضة للخطر.















