في الأساطير الرومانية كان المشتري ملك الآلهة وإله السماء والعواصف، ويُقال إنه أخفى سوء سلوكه ذات مرة خلف ستار كثيف من السحب. ولكن اليوم، تقوم مركبة “جونو” التابعة لناسا بمهمة علمية مماثلة – كشف أسرار الكوكب العملاق المشتري، وإحداث ثورة في فهمنا لهذا العالم الغازي. هذه المهمة تستخدم تقنيات متطورة لدراسة أصول المشتري، وتركيبه، وغلافه المغناطيسي.

المركبة جونو، التي أُطلقت عام 2011 ووصلت إلى مدار المشتري في 2016، تواصل إرسال صور وبيانات قيّمة. أحدث هذه البيانات تكشف عن تفاصيل مذهلة في السحب الجنوبية للمشتري، حيث تظهر دوامات عاصفية هائلة بحجم القارات. هذه الاكتشافات تؤكد أن المشتري أكثر تعقيدًا وديناميكية مما كان يعتقد سابقًا.

جونو تكشف تفاصيل جديدة عن المشتري

صور جديدة التقطتها مركبة جونو تظهر تفكك الأحزمة والنطاقات الدائرية المنتظمة بالقرب من خط الاستواء. هذا التفكك يخلق دوامات عاصفية ضخمة، وهي ظاهرة تثير اهتمام العلماء وتدعوهم إلى إعادة النظر في نماذجهم الحالية للغلاف الجوي للمشتري. هذه المشاهد توضح الطبيعة الفوضوية والاضطراب المستمر الذي يسيطر على الكوكب.

تتميز مهمة جونو بالدوران على مقربة غير مسبوقة من المشتري، مما يسمح بجمع بيانات عالية الدقة. هذا الدوران يتم بالتعاون بين مختبر الدفع النفاث التابع لناسا ومعهد أبحاث الجنوب الغربي (SwRI). الهدف الأساسي هو فهم أعمق لأصول المشتري وتطوره، وكيف ساهم في تشكيل المجموعة الشمسية.

مجال مغناطيسي معقد

أظهرت القياسات التي جمعتها جونو أن مجال المشتري المغناطيسي ليس بسيطًا كما هو الحال في الأرض. بل هو شبكة معقدة متعددة الأقطاب، وأكثر تشابكًا في نصفه الشمالي. هذا الاكتشاف يغير فهمنا لكيفية توليد المجالات المغناطيسية في الكواكب العملاقة، وله تداعيات على دراسة البيئات الفضائية المحيطة بها.

بنية الغلاف الجوي الممتدة

بالإضافة إلى ذلك، كشفت القياسات الراديوية عن أن بنية الغلاف الجوي للمشتري تمتد عميقًا إلى مئات الكيلومترات أسفل السحب المرئية. وهذا يشير إلى أن العواصف التي نشاهدها على سطح المشتري ليست سوى قشرة رقيقة لنظام داخلي بالغ التعقيد. فهم هذه البنية العميقة يتطلب مزيدًا من البحث والتحليل.

تحليلات بيانات جونو تُظهر تفاصيل دقيقة للأجواء، بما في ذلك تباينات في درجات الحرارة وأنماط الرياح، وأشكال السحب المختلفة. هذه البيانات تساهم في بناء نماذج أكثر واقعية للغلاف الجوي للمشتري، مما يساعد على التنبؤ بالسلوك المستقبلي للعواصف وأنماط الطقس الأخرى.

لا تقتصر أهمية مركبة جونو على دراسة المشتري نفسه. بل إن فهمنا للكواكب العملاقة يمكن أن يزودنا بمعلومات قيمة حول تكوين الأنظمة الكوكبية الأخرى في الكون. فمن خلال دراسة المشتري، نأمل في فهم أفضل لكيفية تشكل الكواكب وتطورها حول النجوم الأخرى.

في المستقبل، من المتوقع أن تستمر جونو في جمع البيانات وإرسالها إلى الأرض حتى نهاية عام 2025. ستواصل المركبة استكشاف مناطق جديدة من المشتري، وستبحث عن أدلة حول وجود مياه سائلة في أعماق الكوكب. أما مستقبل هذه المهمة بعد ذلك فهو غير مؤكد، ويعتمد على عوامل تقنية وميزانية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version