كشف فريق دولي من العلماء عن طريقة مبتكرة لقراءة تاريخ الأرض القديم في أستراليا، تعتمد على تحليل إشارات كونية محاصرة داخل بلورات معدن الزركون. هذه التقنية الجديدة، التي تركز على دراسة تاريخ الأرض، تقدم رؤى فريدة حول تطور المناظر الطبيعية عبر ملايين السنين، وتساعد في فهم العمليات الجيولوجية التي شكلت كوكبنا.
قاد البحث علماء من جامعة كورتين الأسترالية، بالتعاون مع جامعتي غوتنغن وكولونيا في ألمانيا. وقد تم نشر نتائج الدراسة في دورية “Proceedings of the National Academy of Sciences” (PNAS)، مما يؤكد أهميتها العلمية. تعتمد التقنية على قياس كميات ضئيلة من غاز الكريبتون المحتجزة داخل بلورات الزركون، وهي بلورات معروفة بصلابتها وقدرتها على البقاء سليمة لفترات زمنية طويلة جدًا.
سر الزركون والأشعة الكونية
يعتبر الزركون من أصلب المعادن على سطح الأرض، مما يجعله مقاومًا للتآكل والعوامل الجوية. هذا يسمح له بالاحتفاظ بسجل جيولوجي دقيق لفترة طويلة من الزمن، حيث يمكن العثور عليه في الصخور والرواسب القديمة. وبحسب الباحثين، فإن الزركون يعمل ككبسولة زمنية صغيرة، تحفظ داخلها معلومات قيمة عن الماضي.
تتراكم كميات صغيرة من غاز الكريبتون داخل بلورات الزركون نتيجة تعرضها للأشعة الكونية. الأشعة الكونية هي جسيمات عالية الطاقة قادمة من الفضاء الخارجي، وتتفاعل مع المواد الموجودة على سطح الأرض، مما يؤدي إلى إنتاج نظائر غازية مثل الكريبتون. من خلال تحليل تركيبة هذه النظائر، يمكن للعلماء تحديد المدة التي قضتها البلورة بالقرب من سطح الأرض قبل أن تُدفن.
عملية قياس كمية الكريبتون في الزركون ليست بسيطة، وتتطلب استخدام تقنيات متطورة للغاية. يتم ذلك في مختبرات متخصصة قادرة على فصل وتحليل كميات ضئيلة جدًا من الغازات النادرة. الدقة في هذه القياسات ضرورية للحصول على تقديرات موثوقة لـتاريخ الأرض.
كيف تعمل “الساعة الكونية”؟
تعتمد هذه التقنية على مبدأ أن معدل وصول الأشعة الكونية إلى سطح الأرض ليس ثابتًا تمامًا، ولكنه يتأثر بالعديد من العوامل الفلكية والجيولوجية. لذلك، فإن كمية الكريبتون المتراكمة في الزركون تعكس التغيرات في هذه العوامل على مر الزمن. هذا يسمح للعلماء بإنشاء مقياس زمني دقيق للأحداث الجيولوجية.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام هذه التقنية لتحديد متى تعرضت الصخور لعمليات التعرية والتعرية، مما يساعد في فهم كيفية تشكل الوديان والأنهار والجبال. كما يمكن أن توفر معلومات حول التغيرات في مستوى سطح البحر والظروف المناخية القديمة. تعتبر هذه المعلومات ذات أهمية خاصة في مجال الجيولوجيا.
تطبيقات واسعة النطاق
لا تقتصر تطبيقات هذه التقنية على دراسة تاريخ أستراليا فحسب، بل يمكن استخدامها في جميع أنحاء العالم. فالزركون موجود في العديد من أنواع الصخور، ويمكن العثور عليه في القارات المختلفة. وبالتالي، يمكن للعلماء استخدام هذه التقنية لإعادة بناء تاريخ سطح الأرض في مناطق مختلفة.
علاوة على ذلك، يمكن أن تساعد هذه التقنية في فهم كيفية توزيع الموارد الطبيعية، مثل المعادن والنفط والغاز. فمن خلال معرفة تاريخ تشكل الصخور والرواسب، يمكن للعلماء تحديد المناطق التي من المرجح أن تحتوي على هذه الموارد. وهذا له آثار اقتصادية كبيرة.
تعتبر هذه الدراسة خطوة مهمة في مجال العلوم الجيولوجية، حيث تقدم طريقة جديدة ومبتكرة لدراسة تاريخ الأرض. من المتوقع أن تؤدي هذه التقنية إلى اكتشافات جديدة حول العمليات الجيولوجية التي شكلت كوكبنا، وأن تساعد في حل العديد من الألغاز العلمية.
في الخطوة التالية، يخطط الفريق لتطبيق هذه التقنية على عينات صخرية من مناطق أخرى في أستراليا، بالإضافة إلى مناطق في أفريقيا وأمريكا الجنوبية. يهدف الباحثون إلى الحصول على صورة أكثر اكتمالاً لتاريخ سطح الأرض، وفهم كيفية استجابته للتغيرات المناخية والتكتونية على مدى ملايين السنين. لا تزال هناك بعض التحديات التي تواجه هذه التقنية، مثل الحاجة إلى تحسين دقة القياسات وتقليل التكاليف، ولكن الباحثون متفائلون بشأن مستقبلها.


