بعد أكثر من نصف قرن على آخر هبوط للبشر على سطح القمر، تستعد وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” لإطلاق مهمة “أرتميس 2” (Artemis II)، وهي أول رحلة مأهولة تطوف حول القمر منذ عام 1972. تُعد هذه المهمة خطوة حاسمة في برنامج “أرتميس” الطموح، الذي يهدف إلى إعادة البشر إلى القمر وتأسيس وجود دائم هناك، مما يفتح آفاقًا جديدة للاستكشاف الفضائي. هذا الحدث أعاد إحياء الاهتمام بـاستكشاف القمر، وأثار تساؤلات حول مستقبل الرحلات الفضائية المأهولة.

من المتوقع أن تنطلق المهمة في غضون أسابيع قليلة، بشرط اجتيازها المراحل النهائية من الاختبارات. ستنطلق الرحلة من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا على متن مركبة “أوريون” المثبتة فوق صاروخ “نظام الإطلاق الفضائي (SLS)”، وهو أقوى صاروخ بنته ناسا حتى الآن. تأتي هذه المهمة في سياق جهود دولية متزايدة للعودة إلى القمر، مع مشاركة وكالات فضاء أخرى وشركات خاصة في هذا المسعى.

أهداف ومهام رحلة أرتميس 2 حول القمر

لا تهدف مهمة “أرتميس 2” إلى الهبوط على سطح القمر، بل إلى إجراء اختبار شامل لمركبة “أوريون” وأنظمة دعم الحياة، وتقييم قدرة المركبة على حماية الطاقم خلال رحلة فضائية طويلة. ستقوم المركبة بمسار يعرف بـ “العودة الحرة”، وهو مسار بيضاوي يلتف حول القمر ويعيد المركبة تلقائيًا إلى الأرض في حالة حدوث أي أعطال. هذا المسار يضمن سلامة الطاقم ويعطي مهندسي ناسا فرصة لتقييم أداء الأنظمة في بيئة فضائية حقيقية.

يتكون طاقم المهمة من أربعة رواد فضاء أمريكيين، تم اختيارهم بعناية لتمثيل التنوع في برنامج الفضاء:

  • ريد وايزمان: قائد المهمة، مسؤول عن قيادة المركبة وسلامة الطاقم.
  • فيكتور غلوفر: الطيار، مسؤول عن تشغيل المركبة والملاحة.
  • كريستينا كوخ: أخصائية مهمة، تدعم الأنظمة وتنفيذ المهام التقنية.
  • جيريمي هانسن: أخصائي مهمة، يشارك في تشغيل الأنظمة وتنفيذ المهام التشغيلية.

رمزية اختيار الطاقم

يمثل اختيار كريستينا كوخ، وهي واحدة من أكثر رائدات الفضاء خبرة، علامة فارقة في برنامج “أرتميس”. تُظهر ناسا التزامها بإرسال أول امرأة إلى القمر، مما يعكس التغييرات الاجتماعية والثقافية التي طرأت منذ برنامج “أبولو”. بالإضافة إلى ذلك، تهدف المهمة إلى إرسال أول شخص من ذوي البشرة الملونة إلى القمر في مهمة “أرتميس 3” اللاحقة، مما يزيد من أهمية هذه المبادرة في تعزيز التنوع والشمول في مجال استكشاف الفضاء.

تعتبر هذه المهمة بمثابة إعداد لمهمة “أرتميس 3” التي تهدف إلى الهبوط على سطح القمر. ستجمع بيانات حيوية حول تأثير الرحلات الفضائية الطويلة على جسم الإنسان، وستختبر تقنيات جديدة ضرورية لتأسيس وجود بشري دائم على القمر. تتضمن هذه التقنيات أنظمة دعم الحياة المتقدمة، وتقنيات الحماية من الإشعاع، وأنظمة استخراج الموارد من سطح القمر.

لماذا العودة إلى القمر بعد كل هذه السنوات؟

بعد برنامج “أبولو” الذي انتهى في عام 1972، تراجعت الاهتمام بـالرحلات القمرية بسبب التكاليف الباهظة وتغير الأولويات السياسية. ومع ذلك، فإن الاهتمام بالقمر عاد بقوة في السنوات الأخيرة، مدفوعًا باكتشافات جديدة حول وجود جليد مائي في القطب الجنوبي للقمر. يمكن استخدام هذا الجليد لإنتاج الأكسجين والوقود والمياه الصالحة للشرب، مما يجعله موردًا قيمًا لتأسيس وجود بشري دائم على القمر.

بالإضافة إلى ذلك، يُنظر إلى القمر على أنه نقطة انطلاق مثالية نحو المريخ. يمكن استخدام القمر كمختبر لتجربة تقنيات العيش والعمل في بيئة فضائية قاسية، مما يقلل من المخاطر والتكاليف المرتبطة ببعثات المريخ. تعتبر هذه الاستراتيجية خطوة منطقية في تحقيق هدف استكشاف الكواكب الأخرى.

تعتمد مهمة “أرتميس” على شراكات دولية وتجارية غير مسبوقة. تتعاون ناسا مع وكالات فضاء أخرى، مثل وكالة الفضاء الأوروبية ووكالة الفضاء اليابانية، لتطوير تقنيات جديدة ومشاركة التكاليف. كما تتعاون ناسا مع شركات خاصة، مثل “سبيس إكس” و”بلو أوريجين”، لتوفير خدمات النقل الفضائي وتطوير مركبات الهبوط القمرية. هذا التعاون يعكس تحولًا في طريقة إدارة الاستكشاف الفضائي، حيث تلعب الشركات الخاصة دورًا متزايد الأهمية.

تُشير التقديرات إلى أن برنامج “أرتميس” سيكلف حوالي 50 مليار دولار حتى الآن. ومع ذلك، فإن الفوائد المحتملة لهذا البرنامج تفوق بكثير التكاليف. يمكن أن يؤدي استكشاف القمر إلى اكتشافات علمية جديدة، وتطوير تقنيات مبتكرة، وخلق فرص عمل جديدة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يلهم الجيل القادم من العلماء والمهندسين لمواصلة استكشاف الفضاء.

في الختام، تمثل مهمة “أرتميس 2” خطوة حاسمة نحو تحقيق هدف إعادة البشر إلى القمر. تعتبر هذه المهمة بمثابة اختبار حيوي لتقنيات جديدة، وفرصة لجمع بيانات قيمة حول تأثير الرحلات الفضائية الطويلة على جسم الإنسان. من المتوقع أن تنطلق مهمة “أرتميس 3” في عام 2026، والتي تهدف إلى الهبوط على سطح القمر وإرسال أول امرأة وأول شخص من ذوي البشرة الملونة إلى القمر. يبقى التحدي الأكبر هو ضمان سلامة الطاقم وتوفير التمويل الكافي لإنجاح هذا البرنامج الطموح. يجب متابعة التطورات التقنية والقرارات السياسية المتعلقة ببرنامج “أرتميس” لتقييم فرص نجاحه وتأثيره على مستقبل الاستكشاف الفضائي.

شاركها.
اترك تعليقاً