قبل حوالي 252 مليون سنة، شهد كوكب الأرض ما يُعرف بانقراض نهاية العصر البرمي، وهو انقراض جماعي يعدّ الأشدّ في تاريخ الحياة، وذلك وفقًا لدراسات جيولوجية حديثة. يربط العلماء هذا الحدث الكارثي بنشاط بركاني هائل، ويُركّز الباحثون حاليًا على فهم المدة التي استغرقتها الحياة البحرية للتعافي من هذه الكارثة. تشير الاكتشافات الجديدة إلى أن هذا التعافي قد يكون أسرع مما كان يُعتقد سابقًا، مما يغير فهمنا لكيفية استجابة النظم البيئية للأزمات الكبرى.
وقد أظهرت الأدلة الجيولوجية أن أكثر من 90% من الأنواع البحرية اختفت خلال هذا الانقراض، وتعرضت الأرض لتغيرات مناخية جذرية، بما في ذلك ارتفاع مستويات الغازات الدفيئة، ونقص الأكسجين في المحيطات، وزيادة حموضة المياه. لطالما كان السؤال المطروح هو: كم من الوقت استغرق البحر لاستعادة التنوع البيولوجي بعد هذه الضربة القاضية؟
سرعة التعافي بعد الانقراض الجماعي
في جزيرة سبيتسبيرغن، ضمن أرخبيل سفالبارد القطبي، اكتشف فريق بحثي ما يشبه كبسولة زمنية تكشف عن الحياة بعد انقراض نهاية العصر البرمي. يحتوي الموقع على تركيز غير عادي للبقايا الأحفورية – أكثر من 30 ألف قطعة – تشمل أسنانًا، وعظامًا، وقشورًا تعود إلى مجتمع بحري ازدهر بعد الانقراض بحوالي ثلاثة ملايين سنة فقط.
ليست هذه مجرد حفريات مبعثرة، بل طبقة كثيفة تشكل ما يُعرف علميًا بـ “سرير عظام”، مما يشير إلى أنها تكونت خلال فترة زمنية جيولوجية قصيرة نسبيًا. هذا يسمح للعلماء بالحصول على صورة أكثر تفصيلاً ودقة عن الحياة البحرية في تلك الفترة. جمع الفريق المواد عبر شبكة مربعات مترية، واستخرج أكثر من 800 كيلوغرام من الرواسب الحاملة للحفريات، بما في ذلك حتى روث متحجر، لمساعدتهم على فهم العلاقات الغذائية في المجتمع القديم.
استغرق تحليل هذه الحفريات وتصنيفها وتفسيرها حوالي عقد من الزمان، حسبما أفاد الباحثون في دراسة نُشرت في مجلة “ساينس”. هذا الجهد الطويل الأمد يبرز مدى تعقيد دراسة الأحداث القديمة وضرورة التحليل الدقيق للبيانات.
ازدهار الحياة والتنوع البيولوجي
الدراسة كشفت عن مفاجأة: النظام البيئي الذي تعافى بعد الانقراض لم يكن بسيطًا وهشًا كما كان متوقعًا. بل، أظهر مجتمعًا بحريًا معقدًا ومتنوعًا، يتضمن مفترسات قمة ضخمة يصل طولها إلى خمسة أمتار. وجود هذه المفترسات يشير إلى أن السلسلة الغذائية كانت قد استقرت وتنوعت بسرعة.
يشير هذا الاكتشاف إلى أن النظم البيئية قد تكون قادرة على التعافي بسرعة أكبر بعد الكوارث الكبرى مما كان يُعتقد. ويرجح العلماء أن وفرة الفرائس وتوفر مصادر الطاقة ساهمت في هذا التعافي السريع. كما أن هذا يتعارض مع النماذج التقليدية التي تفترض عملية تعافي بطيئة ومتدرجة.
هذا الاكتشاف لا يقتصر على نهاية العصر البرمي، بل يلقي الضوء على أحداث الانقراض الأخرى في تاريخ الأرض، مثل انقراض الديناصورات قبل 66 مليون سنة. تشير الأبحاث المستمرة إلى أن تأثير هذه الكوارث على الحياة أقل دائمية مما كان يُعتقد سابقًا، وأن الحياة تجد دائمًا طرقًا للتكيف والتطور.
ماذا عن انقراض العصر الطباشيري؟
أظهرت دراسات على فوهة تشيكشولوب في المكسيك، المكان الذي يُعتقد أن نيزكًا كبيرًا سقط فيه مسببًا انقراض الديناصورات، أن الحياة الميكروبية ازدهرت بسرعة بعد الاصطدام. وبحسب تقارير من “نيتشر”، تشكل نظام هيدروحراري غني بالمغذيات تحت قاع المحيط، مما ساعد في دعم التكاثر السريع للميكروبات وغيرها من الكائنات الحية.
وبينما كانت الحياة البحرية في سبيتسبيرغن تتعافى بعد الانقراض البرمي، كانت النظم البيئية البحرية بالقرب من فوهة تشيكشولوب تستفيد من الظروف الجديدة لبناء مجتمعات حيوية جديدة. هذا يؤكد على أن الاستجابات البيئية للأحداث الكارثية يمكن أن تكون متنوعة للغاية وتعتمد على الظروف المحلية.
الآثار المترتبة على الأبحاث المستقبلية
يؤكد هذا البحث على مرونة الحياة وقدرتها على التعافي حتى من الأحداث الأكثر تدميراً. ومع ذلك، تثير هذه النتائج أيضًا تساؤلات مهمة حول طبيعة التعافي البيئي وكيف يمكن أن يتأثر بالتغيرات المناخية الحالية، بما في ذلك الاحتباس الحراري.
الخطوة التالية للباحثين هي دراسة التفاعلات بين الأنواع المختلفة في المجتمعات البحرية القديمة، وتحليل التغيرات الجينية التي حدثت خلال فترة التعافي. من المتوقع أن يتم نشر نتائج هذه الأبحاث في غضون العامين المقبلين، مما قد يوفر رؤى جديدة حول كيفية حماية التنوع البيولوجي في عالمنا المتغير. لا يزال هناك الكثير لنتعلمه حول كيفية استجابة الحياة للأزمات، ولكن هذه الاكتشافات الجديدة تقدم لنا لمحة قيمة عن قدرة الكوكب على التجديد.


