عثر فريق بحثي سعودي دولي على دليل جديد ومثير للاهتمام حول وجود الفهود في الجزيرة العربية، حيث تم اكتشاف سبعة فهود محنطة طبيعياً بالإضافة إلى بقايا هيكلية عديدة داخل شبكة كهوف في منطقة عرعر. هذا الاكتشاف، الذي نشر في مجلة “كوميونيكيشنز إيرث أند إنفيرونمنت” في 15 يناير 2026، يمثل أول دليل طويل الأمد على سكن الفهود لهذه المنطقة، ويفتح آفاقاً جديدة لفهم تاريخها البيئي وإمكانية إعادة توطينها.
يعتقد الباحثون أن هذا الاكتشاف غير المتوقع سيؤدي إلى إعادة تقييم أسباب انقراض الفهود في الجزيرة العربية، وتحويل هذه القضية من مجرد سجل تاريخي إلى مسألة حيوية تتعلق بجهود الحفاظ على البيئة وإعادة التوازن البيئي في المنطقة. ويشمل ذلك دراسة الجدوى لإعادة إدخال هذا النوع إلى موطنه الأصلي.
مفاجأة وراثية في اكتشاف الفهود
أوضح نائب الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية وخبير صون التنوع البيولوجي، الدكتور أحمد البوق، أن هذا الاكتشاف يحمل أهمية علمية كبيرة. وأشار إلى أن هذا هو أول دليل ملموس يثبت أن الفهود كانت تعيش في الجزيرة العربية لفترات طويلة، وليس مجرد مشاهدات عابرة تاريخياً.
وأضاف الدكتور البوق أن التحاليل أظهرت وجود أكثر من سلالة فرعية واحدة من الفهود في المنطقة، وهو ما يثير الدهشة ويوسع نطاق المعرفة حول هذا الحيوان. هذا التنوع الجيني يمثل نقطة قوة محتملة في أي جهود مستقبلية لإعادة التوطين.
استخدم الفريق البحثي تقنيات التأريخ بالكربون المشع لتحديد أعمار البقايا، حيث تبين أن أقدمها يعود إلى أكثر من 4000 عام، بينما لا يتجاوز عمر الأحدث منها 130 عاماً. هذا يشير إلى أن الفهود كانت موجودة في المنطقة لفترة طويلة، وأن انقراضها حدث في وقت حديث نسبياً.
الكهوف كمواقع حفظ بيولوجي
أظهرت الفحوصات الإشعاعية أن الفهود التي عثر عليها تمثل فئات عمرية مختلفة، من صغار إلى بالغين، مما يشير إلى أن الكهوف لم تكن مجرد مصائد طبيعية، بل ربما كانت تستخدم كملاجئ أو مواقع ولادة. هذا يوفر رؤى قيمة حول سلوك الفهود وأنماط حياتها.
ويؤكد الدكتور البوق أن هذا الاكتشاف يسلط الضوء على الدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه الكهوف في حفظ الأدلة الجينية والبيولوجية للأنواع المنقرضة. فالمناظر الطبيعية التي تبدو خالية اليوم قد تحتوي في طياتها أرشيفاً بيئياً كاملاً ينتظر الاكتشاف.
إعادة التوطين: تحديات وفرص
أحد أبرز نتائج الدراسة هو التحليل الجينومي الذي كشف أن الفهود القديمة في السعودية لم تكن تنتمي إلى سلالة واحدة فقط. ففي حين ارتبطت العينات الأحدث بالفهد الآسيوي المهدد بالانقراض، تبين أن العينات الأقدم أقرب وراثياً إلى فهد شمال غربي أفريقيا. هذا الاكتشاف يغير المفاهيم السائدة حول أصول الفهود في المنطقة.
ويشير الدكتور البوق إلى أن هذا يعني أن موائل الفهود في السعودية لم تكن حكراً على السلالة الآسيوية، بل ربما استخدمت سلالات أفريقية أيضاً هذا المشهد البيئي لفترات طويلة. وهذا يفتح الباب أمام خيارات جديدة في جهود إعادة التوطين.
وترجح الدراسة أن اختفاء الفهود من الجزيرة العربية كان مدفوعاً بشكل أساسي بعوامل بشرية، مثل الصيد الجائر وتدهور أعداد الفرائس، بدلاً من التغيرات البيئية الكبرى. وهذا يؤكد أهمية معالجة الأنشطة البشرية الضارة لحماية الأنواع المهددة بالانقراض.
يؤكد المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية أنه يمتلك خبرة واسعة في برامج الإكثار وإعادة التوطين، وقد حقق نجاحاً في إعادة إدخال أنواع مثل المها العربي والوعل النوبي وغزلان الرمال. ومع ذلك، يشدد الباحثون على أن إعادة توطين الفهود تتطلب تخطيطاً دقيقاً ومعالجة التحديات المحتملة.
من بين هذه التحديات، يبرز خطر القتل الانتقامي نتيجة افتراس الماشية. لذلك، يعتبر تأمين الفرائس البرية الكافية والعمل الوثيق مع المجتمعات المحلية أمراً ضرورياً قبل الشروع في أي خطوة لإعادة توطين الفهود. كما أن دراسة التنوع البيولوجي (Biodiversity) في المنطقة أمر بالغ الأهمية.
من المتوقع أن يعقد المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية اجتماعاً في الربع الثاني من عام 2026 لمناقشة نتائج الدراسة وتحديد الخطوات التالية المحتملة. وستشمل هذه الخطوات إجراء دراسات جدوى مفصلة لتقييم إمكانية إعادة توطين الفهود في مناطق محددة، وتطوير خطط إدارة للحفاظ على هذه الحيوانات وحماية موائلها. يبقى مستقبل الفهود في الجزيرة العربية غير مؤكد، ولكنه يحمل في طياته أملاً جديداً بفضل هذا الاكتشاف المثير.


