في عالم الفيزياء، يظل مفهوم ميكانيكا الكم محط جدل وتساؤلات، خاصةً فيما يتعلق بفهمنا للواقع الأساسي. دراسة حديثة، نشرت في الأول من فبراير 2026، تقدم نتائج تجريبية جديدة تثبت جانباً أساسياً من هذا المفهوم، وهو مبدأ التكامل، والذي يوضح العلاقة المعقدة بين معرفة خصائص الجسيمات وسلوكها.

أجرت الدراسة، التي أشرف عليها باحثون من جامعة برمنغهام، تجارب دقيقة باستخدام ذرة روبيديوم واحدة، مما أتاح لهم اختبار فرضية طرحها ألبرت أينشتاين قبل عقود. هذه النتائج الجديدة تعزز فهمنا لقوانين الكم وتأثيرها على طبيعة القياس الفيزيائي، وتمثل خطوة مهمة نحو تطوير تقنيات كمومية متقدمة.

مبدأ التكامل في ميكانيكا الكم

تتعامل ميكانيكا الكم مع سلوك الجسيمات على المستوى الذري ودون الذري، حيث تختلف القواعد الفيزيائية عما هو مألوف في حياتنا اليومية. أحد المفاهيم الأساسية في هذا المجال هو أن الجسيمات يمكن أن تظهر سلوكاً موجياً وجسيمياً في آن واحد، اعتماداً على كيفية ملاحظتها.

في تجربة الشق المزدوج الشهيرة، على سبيل المثال، يظهر الجسيم، كالالكترون أو الفوتون، نمطاً يشبه الموجة عندما لا يتم تحديد المسار الذي يسلكه. ولكن عندما نحاول تحديد هذا المسار، ينهار هذا النمط ويظهر الجسيم كسلسلة من النقاط، كما لو كان كرة صغيرة. هذا السلوك الغريب هو ما يصفه مبدأ التكامل.

خلاف بين أينشتاين وبور

لم يقتنع أينشتاين بهذا التفسير، معتقداً أن هناك متغيرات خفية تحدد سلوك الجسيمات، وأن ميكانيكا الكم هي مجرد وصف غير كامل للواقع. واقترح أن يكون من الممكن قياس مسار الجسيم دون التأثير على سلوكه الموجي. لكن عالم الفيزياء نيلز بور رد على ذلك بأن عملية القياس نفسها تغير النظام الذي يتم قياسه، وأن محاولة تحديد المسار بدقة تؤدي حتماً إلى فقدان المعلومات حول خصائصه الموجية.

يقول بور أنه لا يمكن إجراء قياسين متكاملين بدقة في نفس الوقت، وهى فكرة أثارت جدلاً كبيراً في الأوساط العلمية. الأمر لم يكن مجرد خلاف تقني، بل مسألة فلسفية عميقة تتعلق بطبيعة الواقع والمعرفة.

تأكيد تجريبي لمبدأ التكامل

الآن، بعد قرن تقريباً من الجدل، قام الباحثون بتأكيد مبدأ التكامل بشكل مباشر من خلال تجربة مبتكرة. استخدموا ذرة روبيديوم واحدة، محبوسة في ملقط ضوئي ومبردة إلى درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق. هذا يسمح لهم بالتحكم الدقيق في الذرة وقياس تفاعلها مع الفوتونات.

من خلال تغيير قوة الملقط الضوئي، تمكنوا من التحكم في مدى حساسية الذرة لقياس مسار الفوتونات. ووجدوا أنه عندما زادت حساسية الذرة، ضعف نمط التداخل تدريجياً، مما يؤكد أن عملية القياس تؤثر بالفعل على سلوك الجسيمات. وهذا ما تنبأ به بور قبل قرن.

أكدت النتائج أيضاً أن أي محاولة لقياس轨迹 المسار بدقة تؤدي إلى فقدان معلومات حول خصائص الموجة، والعكس صحيح. فهذا يدعم فكرة أن الواقع الكمي لا يمكن وصفه بشكل كامل باستخدام مفاهيم كلاسيكية. الفيزياء الكمية تصف الاحتمالات، وليست حتميات.

تشير الدراسة أيضًا إلى أهمية فهم حدود القياس في الأنظمة الكمومية. ففي تطوير الحواسيب الكمومية وأجهزة الاستشعار الكمومية، من الضروري أن نكون قادرين على التلاعب بالجسيمات الكمومية دون إتلاف المعلومات التي تحملها.

خطوات مستقبلية وتوقعات

الخطوة التالية هي توسيع نطاق هذه التجارب لاستخدام المزيد من الذرات المعقدة، واختبار مبدأ التكامل في أنظمة أكثر واقعية. يهدف الباحثون أيضًا إلى استكشاف إمكانية استخدام هذه النتائج لتطوير تقنيات كمومية جديدة، مثل أجهزة الاستشعار فائقة الدقة. من المتوقع أن يتم نشر المزيد من الأبحاث التفصيلية حول هذا الموضوع في الربع الثالث من عام 2026.

يبقى هناك الكثير لنتعلمه عن عالم الكم، ولكن هذه الدراسة الجديدة تقدم لنا لمحة قيمة عن طبيعة الواقع، وتذكرنا بأن قوانين الفيزياء يمكن أن تكون غريبة وغير بديهية. من المهم مراقبة التطورات في هذا المجال، إذ قد تؤدي إلى فهم أعمق للكون من حولنا.

شاركها.
اترك تعليقاً