في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت خدمة كوبرنيكوس لرصد الغلاف الجوي عن إغلاق مبكر لـ ثقب الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية، مقارنة بمتوسطات السنوات السابقة. يأتي هذا الإغلاق بعد موسم وصفتة الدراسات بأنه الأصغر والأقصر في خمس سنوات، وهو ما يبعث على التفاؤل بشأن تعافي طبقة الأوزون بفضل الجهود الدولية، ولكنه يطرح تساؤلات حول أسباب هذا التسارع وكيفية الاستفادة منه في مواجهة تحديات بيئية أخرى.
يظهر ثقب الأوزون بشكل دوري في ربيع نصف الكرة الجنوبي، أي خلال الفترة الممتدة من أغسطس/آب إلى أكتوبر/تشرين الأول، ثم يبدأ في الانكماش والاختفاء تدريجياً قرب نهاية نوفمبر/تشرين الثاني أو مطلع ديسمبر/كانون الأول. هذه الظاهرة طبيعية، لكنها تزداد حدة بسبب انبعاثات بعض المواد الكيميائية.
ثقب الأوزون: تحليل أسباب الإغلاق المبكر وتأثيره
وفقًا لبيانات كوبرنيكوس، بدأ تشكل ثقب الأوزون في عام 2025 في منتصف أغسطس/آب، ووصل إلى أقصى مساحة له بلغت حوالي 21.08 مليون كيلومتر مربع في أوائل سبتمبر/أيلول. هذه المساحة أصغر بكثير من الذروة التي سجلت في عام 2023، والتي قدرت بنحو 26.1 مليون كيلومتر مربع. وتؤكد وكالة ناسا، في تحديثها الموسمي، أن الذروة كانت في سبتمبر/أيلول أيضًا، مع تقدير لمساحة الثقب بلغت 22.86 مليون كيلومتر مربع.
يعود السبب الرئيسي في هذا التحسن إلى انخفاض مستويات المواد المستنفدة للأوزون في الغلاف الجوي، وذلك بفضل بروتوكول مونتريال الذي تم اعتماده عام 1987. هذا البروتوكول الدولي يهدف إلى التخلص التدريجي من المواد الكيميائية التي تدمر طبقة الأوزون، مثل مركبات الكلوروفلوروكربون (CFCs). وتظهر البيانات أن الالتزام بهذا البروتوكول قد أثمر عن نتائج ملموسة.
مؤشرات دوبسون وأهميتها
تعتمد قياسات ثقب الأوزون على وحدة تسمى “دوبسون”، وهي وحدة قياس كمية الأوزون في عمود من الغلاف الجوي. عندما تنخفض كمية الأوزون إلى أقل من 220 وحدة دوبسون، يُعتبر ذلك مؤشرًا على وجود “ثقب” في طبقة الأوزون. هذا المؤشر يسمح بتوحيد المقارنات بين السنوات المختلفة. وبالرغم من أن الإغلاق المبكر هذا العام يمثل نقطة إيجابية، إلا أن العلماء يراقبون باستمرار التغيرات في مستويات الأوزون.
السياسة البيئية والتعافي المستقبلي
إن نجاح بروتوكول مونتريال يُعدّ مثالًا ساطعًا على أهمية التعاون الدولي في مواجهة التحديات البيئية العالمية. فقد أدى التخلص التدريجي من المواد المستنفدة للأوزون إلى تحسن ملحوظ في حالة طبقة الأوزون، ويسهم في حماية الكائنات الحية من الأشعة فوق البنفسجية الضارة. تشير الأمم المتحدة إلى أنه قد تم التخلص من حوالي 99% من هذه المواد بفضل تطبيق البروتوكول.
وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن مستويات المواد المستنفدة للأوزون في طبقة الستراتوسفير فوق القارة القطبية الجنوبية قد انخفضت بنحو الثلث منذ عام 2000. هذا يوضح أن “الوقود الكيميائي” الذي كان يسبب تدهور الأوزون أصبح أقل تأثيرًا.
على الرغم من هذه التطورات الإيجابية، فإن العلماء يتوقعون أن يستغرق الأمر وقتًا أطول قبل أن تعود طبقة الأوزون إلى مستوياتها الطبيعية تمامًا. وتشير التقديرات الحالية إلى أن طبقة الأوزون قد تتعافى بشكل كامل بحلول عام 2066 فوق القارة القطبية الجنوبية، وهي المنطقة الأكثر تضررًا. ويرجع هذا التأخير إلى أن بعض المواد الكيميائية تظل في الغلاف الجوي لفترة طويلة.
وربما يكون هذا التعافي نموذجًا مشجعًا في سياق التغير المناخي، حيث يظهر أن الإجراءات السياسية الحاسمة يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا في حماية البيئة. ومع ذلك، فإن التحديات التي تواجهنا في مجال التغير المناخي أكثر تعقيدًا وتتطلب جهودًا أكبر.
مقارنة بين ملف الأوزون والتغير المناخي
في حين تم التعامل مع قضية تدهور طبقة الأوزون بنجاح من خلال اتفاقيات دولية ملزمة، لا تزال الاستجابة السياسية للتغير المناخي أقل قوة وفعالية. ويرجع ذلك جزئيًا إلى الضغوط السياسية والاقتصادية من قبل بعض الأطراف التي تعارض اتخاذ إجراءات جذرية. الجدير بالذكر أن كلتا المسألتين تنبعان من النشاط البشري، وتتطلبان مواجهة عاجلة.
من المتوقع أن يواصل العلماء مراقبة حالة طبقة الأوزون وتقييم تأثير بروتوكول مونتريال. كما سيسعى المجتمع الدولي إلى تعزيز التعاون في مجال مكافحة التغير المناخي وتبني سياسات أكثر طموحًا للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة. سيظل التطور في مجال التكنولوجيا وتغير السياسات العالمية هما العاملان الرئيسيان اللذان سيحددان المسار المستقبلي لطبقة الأوزون والمناخ على حد سواء.















