الزلزال كارثة طبيعية مفاجئة، ولا يمكن التنبؤ بوقوعها بدقة. ومع ذلك، فإن فهم كيفية تصرف الأرض عند حدوث زلزال، وكيفية انتشار الموجات الزلزالية، أمر بالغ الأهمية لتقييم المخاطر والتخفيف من آثارها. دراسة حديثة نشرت في دورية “سيام: جورنال أوف ساينتفك كومبيوتنج” قدمت “خدعة رياضية” مبتكرة تسرع بشكل كبير من عمليات محاكاة الموجات الزلزالية، مما يفتح آفاقًا جديدة لتحسين فهمنا لهذه الظواهر الطبيعية.
نشرت الدراسة في 19 يناير 2026، وتناولت تحديات محاكاة الزلازل المعقدة، والتي تتطلب قدرات حاسوبية هائلة. تعتمد هذه المحاكاة على فهم دقيق لتركيب باطن الأرض وكيفية تفاعل الموجات الزلزالية مع طبقاته المختلفة. الهدف هو تطوير نماذج أكثر دقة وسرعة لتقييم المخاطر الزلزالية في مناطق محددة.
محاكاة الزلازل: تسريع فهم سلوك الأرض
يحتاج علماء الزلازل بشكل دائم إلى إجراء محاكاة للزلازل، لأن الخطر الزلزالي يختلف من مكان إلى آخر. قد يتسبب زلزال بقوة معينة في أضرار جسيمة لمدينة، بينما لا يؤثر بشكل كبير على مدينة أخرى. يعود هذا الاختلاف غالبًا إلى تركيب التربة والصخور وسمك الطبقات تحت الأرض.
تستخدم تقنيات تصوير متقدمة، مثل “الانعكاس الموجي الكامل”، لإنشاء صور لباطن الأرض. تعتمد هذه التقنيات على إرسال موجات زلزالية وتحليل انعكاساتها لتحديد خصائص الطبقات المختلفة. ولكن هذه العملية مكلفة وتستغرق وقتًا طويلاً.
تحديات المحاكاة التقليدية
تتطلب المحاكاة التقليدية لحركة الموجات الزلزالية حسابات معقدة للغاية، نظرًا لوجود ملايين المتغيرات. تتضمن هذه الحسابات تحليل الترددات المختلفة للموجات الزلزالية، بما في ذلك الترددات العالية التي تزيد من تعقيد العملية. قد تستغرق محاكاة واحدة ساعات عديدة، حتى على حواسيب قوية.
“اختزال رتبة النموذج”: الحل الجديد
تقدم الدراسة الجديدة حلاً لهذه المشكلة من خلال تقنية تُعرف باسم “اختزال رتبة النموذج”. تعتمد هذه التقنية على تبسيط المشكلة الرياضية التي تصف سلوك الزلازل، دون فقدان المعلومات الأساسية. بدلاً من حساب كل التفاصيل الدقيقة، يتم التركيز على الجوانب الأكثر أهمية، مثل شكل الإشارة الزلزالية كما تسجلها محطات الرصد.
يتم ذلك عن طريق نقل المشكلة إلى نطاق رياضي يهمل الترددات العالية، التي تعتبر الأكثر إزعاجًا وكلفة من الناحية الحسابية. يسمح هذا التبسيط بتقليل حجم النموذج الرياضي بنحو ألف مرة، مما يؤدي إلى تسريع كبير في عمليات المحاكاة. تساعد هذه الطريقة في تحسين دقة تقدير الخصائص الفيزيائية للطبقات الأرضية.
باطن الأرض وتقييم المخاطر الزلزالية
تساعد هذه الطريقة الجديدة في تسريع تصوير باطن الأرض وتقدير خصائص الطبقات المختلفة، مما يساهم في تحسين تقييم المخاطر الزلزالية. كما تفتح الباب أمام تشغيل عدد أكبر بكثير من السيناريوهات في وقت أقل، وهو أمر مهم في تطبيقات تتطلب محاكاة متكررة، مثل دراسة الزلازل المستمرة أو محاكاة موجات التسونامي بسرعة.
يمكن أن تساعد هذه التقنية في إعطاء إنذار مبكر للشواطئ المعرضة لضربات التسونامي، مما يتيح الوقت لاتخاذ إجراءات وقائية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدامها لتحسين خرائط الخطر الزلزالي ودعم قرارات الهندسة وأكواد البناء.
تعتبر هذه الدراسة خطوة مهمة نحو تطوير أدوات أكثر فعالية لتقييم المخاطر الزلزالية والتخفيف من آثارها. من المتوقع أن يستمر الباحثون في تطوير هذه التقنية وتحسينها، بهدف جعلها متاحة على نطاق واسع للمهتمين والخبراء في هذا المجال. الخطوة التالية قد تشمل دمج هذه التقنية مع بيانات الرصد في الوقت الفعلي لإنشاء نظام إنذار زلزالي أكثر دقة وموثوقية. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به، ولا تزال التحديات قائمة في مجال التنبؤ بالزلازل.















