لم يعد التغير المناخي مجرد قضية بيئية نظرية، بل تحول إلى تهديد مباشر للأمن المائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة العربية. يشير تقرير حديث إلى أن التداعيات تتجاوز الكوارث الطبيعية لتشمل تحديات وجودية تتعلق بالبنية التحتية، وأنماط الهجرة، وحتى الأمن الغذائي. يقدم الباحث في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، الدكتور عصام حجي، تحليلاً شاملاً لهذه التحديات، محذراً من أن التعامل مع هذه الأزمة يتطلب رؤية علمية واضحة، بعيداً عن التسييس أو الإنكار.

أكد الدكتور حجي أن التغير المناخي لم يعد خطراً بعيداً، بل واقعاً ملموساً يتجلى في ارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الفيضانات والجفاف، وارتفاع منسوب سطح البحر. وقد أظهرت كارثة فيضانات درنة في ليبيا عام 2023، والتي أودت بحياة أكثر من 11 ألف شخص، مدى فتك هذه الظواهر الطبيعية المتطرفة. وبحسب خبراء الأمم المتحدة، فإن هذه الكارثة ليست مجرد حادث فردي، بل هي مؤشر على تزايد حدة وتواتر الكوارث المناخية في المنطقة.

التغير المناخي وأمن المياه في العالم العربي

يشكل التغير المناخي تحدياً خاصاً للعالم العربي، نظراً لندرة المياه في معظم دول المنطقة. وتشير الدراسات إلى أن ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى زيادة معدلات التبخر، وتقليل كمية الأمطار، مما سيؤدي إلى تفاقم أزمة المياه. بالإضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع منسوب سطح البحر يهدد بتلوث مصادر المياه العذبة، وتدمير الأراضي الزراعية الساحلية.

ويرى الدكتور حجي أن سد النهضة، على الرغم من كونه مشروعاً يهدف إلى توليد الطاقة، إلا أنه يمثل تحدياً إضافياً في ظل التغير المناخي. فالتحكم في تدفق نهر النيل يتطلب تعاوناً إقليمياً قوياً، وتقييماً دقيقاً للتأثيرات المحتملة على جميع الدول المتشاطئة. ويؤكد حجي أن جوهر الأزمة لا يكمن في وجود السدود، بل في كيفية إدارتها خلال فترات الجفاف، وضرورة وجود خطط طوارئ للتعامل مع أي نقص في المياه.

تهديد المدن الساحلية

يشكل ارتفاع منسوب سطح البحر تهديداً وجودياً للمدن الساحلية العربية، مثل الإسكندرية في مصر، والعديد من المدن في دول الخليج. وتشير التقديرات إلى أن بعض هذه المدن قد تغرق جزئياً أو كلياً خلال العقود القادمة، مما سيؤدي إلى نزوح الملايين من السكان. ويحذر الدكتور حجي من أن بناء مدن جديدة ومحطات طاقة وتحلية في مناطق منخفضة ومهددة بالغرق هو استثمار في مستقبل خاسر.

أزمة الهوية والعلم في مواجهة التغير المناخي

يربط الدكتور حجي بين تراجع مكانة العلم في العالم العربي وانتشار الخرافات، معتبراً أن هذا التراجع يعيق جهود التكيف مع التغير المناخي. ويؤكد أن الهوية العربية تاريخياً ودينياً ارتبطت بالعلم والقراءة، وأن تسفيه العلم وتحويله إلى مادة غريبة عن الهوية هو بمثابة تدمير للعقول منذ الصغر. ويشير إلى أن غياب العدالة والقهر الاجتماعي يدفعان الناس إلى البحث عن تفسيرات بديلة، مثل التنجيم، بدلاً من الاعتماد على الحقائق العلمية.

بالإضافة إلى ذلك، يرى الدكتور حجي أن هجرة العقول تمثل خسارة كبيرة للعالم العربي، وأن الأنظمة التعليمية والإدارية تتحمل مسؤولية طرد الكفاءات. ويؤكد أن التركيز على التصنيفات الشكلية للجامعات دون أثر حقيقي في المجتمع هو بمثابة خداع للنفس. ويحث العلماء العرب المغتربين على ضرورة الوعي بأهمية دورهم في تغيير واقع أوطانهم.

وفي سياق متصل، تم انتخاب الدكتور عصام حجي مؤخراً في المكتب المنسق للهيئة الوطنية الفرنسية لعلماء الفلك والفيزياء، وهو ما يعكس اعترافاً دولياً بخبرته في مجال دراسة التغيرات المناخية ورصد المخاطر الطبيعية. ويأمل حجي أن يساعده هذا المنصب في تنسيق الجهود الدولية لمواجهة هذه التحديات.

من المتوقع أن تصدر الهيئة الوطنية الفرنسية لعلماء الفلك والفيزياء تقريراً مفصلاً حول المخاطر الطبيعية المحتملة في الجزر الفرنسية ودول الاتحاد الأوروبي بحلول نهاية العام الحالي. وستشمل هذه الدراسة تحليلاً لآثار التغير المناخي على البنية التحتية، وتقديم توصيات للحد من هذه الآثار. يبقى التحدي الأكبر هو ترجمة هذه التوصيات إلى إجراءات عملية على أرض الواقع، وتعبئة الموارد اللازمة للتكيف مع التغير المناخي.

شاركها.
اترك تعليقاً