تزايد الاهتمام بدراسة سلوك النحل الطنان (النحل الرحّال) في الآونة الأخيرة، خاصةً مع تراجع أعداده عالميًا. دراسة حديثة نشرت نتائجها في 21 يناير 2026، كشفت عن سبب غير متوقع لتوقف ملكات النحل الطنان عن جمع الرحيق بعد فترة وجيزة من ولادة العاملات، وهو ما يمثل لغزًا طالما حيّر العلماء.
الباحثون من جامعة صن يات صن الصينية توصلوا إلى أن الأمر يتعلق بشكل غير متوقع بتركيب لسان الملكة، وليس بتغيرات هرمونية أو استراتيجيات للحفاظ على الطاقة كما كان يُعتقد سابقًا. هذه النتائج الجديدة تلقي الضوء على كيفية تقسيم العمل في مجتمعات النحل، وتحديد الأدوار بناءً على القدرات الفيزيائية.
لماذا تتوقف ملكات النحل الطنان عن العمل؟
لطالما لاحظ علماء الحشرات أن ملكات النحل الطنان، المعروفات بنشاطهن العالي في بداية الموسم، يتراجع أداؤهن في جمع الرحيق بشكل ملحوظ بعد ولادة العاملات. كانت الفرضيات السابقة تركز على التغيرات الهرمونية التي قد تحدث بعد التزاوج أو على حاجة الملكة لتوفير الطاقة لوضع البيض.
ومع ذلك، تشير الدراسة الجديدة إلى أن السبب يكمن في بنية لسان الملكة. فقد تبين أن ألسنة العاملات تتميز بشعيرات دقيقة متقاربة ومكدسة بإحكام، مما يسمح لها بالتقاط الرحيق بكفاءة عالية. في المقابل، ألسنة الملكات أكبر حجمًا، وتتسم بتباعد الشعيرات الدقيقة، مما يجعلها أقل فعالية في الاحتفاظ بالرحيق.
تحليل دقيق لبنية اللسان
استخدم الباحثون المجهر الإلكتروني الماسح لتحليل ألسنة 32 ملكة و67 عاملة من النحل الطنان. وكشف التحليل عن اختلافات واضحة في كثافة وتوزيع الشعيرات الدقيقة على سطح اللسان. بالإضافة إلى ذلك، قاموا بتسجيل مقاطع فيديو عالية السرعة للنحل أثناء شربه لرحيق صناعي، مما سمح لهم بمراقبة كيفية عمل الألسنة في الزمن الحقيقي.
أظهرت التجارب أن الملكات تواجه صعوبة أكبر في التعامل مع الرحيق الخفيف أو المخفف، بينما كانت العاملات قادرة على التقاطه بكفاءة بغض النظر عن لزوجته. وهذا يدعم فكرة أن بنية اللسان تلعب دورًا حاسمًا في تحديد قدرة النحلة على جمع الرحيق.
أهمية الاكتشاف وعلاقته بتلقيح المحاصيل
هذا الاكتشاف يغير فهمنا لكيفية تقسيم العمل في مجتمعات النحل، ويؤكد أن الأدوار لا تُحدد بالضرورة بناءً على التسلسل الهرمي أو القيادة، بل على أساس من يمتلك الأدوات الأنسب لإنجاز المهمة. وهذا يمثل تحولًا في وجهة النظر التقليدية حول سلوك الحشرات الاجتماعية.
بالإضافة إلى ذلك، قد يكون لهذا الاكتشاف تطبيقات عملية مهمة في مجال الزراعة. ففهم كيفية تعامل أنواع مختلفة من النحل مع الرحيق يمكن أن يساعد المزارعين على تحسين إدارة تلقيح المحاصيل، وبالتالي زيادة الإنتاجية وتحسين جودة المحاصيل الزراعية. تلقيح المحاصيل هو عملية حيوية تعتمد بشكل كبير على خدمات النحل، وتدهور أعداد النحل يمثل تهديدًا للأمن الغذائي.
تشير الأبحاث المتعلقة بـ التلقيح (Pollination) إلى أهمية الحفاظ على التنوع البيولوجي للنحل لضمان استدامة هذه الخدمة البيئية الهامة. كما أن دراسة سلوك النحل يمكن أن تساعد في تطوير استراتيجيات جديدة لحماية النحل وتعزيز أعداده.
من المتوقع أن يقوم الباحثون بمزيد من الدراسات لتحديد العوامل الوراثية والبيئية التي تؤثر على نمو وتطور لسان النحل الطنان. كما أنهم يخططون للتحقيق في ما إذا كانت هذه الاختلافات في بنية اللسان موجودة في أنواع أخرى من النحل. ستساعد هذه الأبحاث في فهم أعمق لكيفية تطور سلوكيات جمع الرحيق في النحل، وستوفر معلومات قيمة للمزارعين وعلماء الحشرات على حد سواء. يبقى التحدي الأكبر هو فهم التفاعلات المعقدة بين النحل والبيئة، وتطوير حلول مستدامة لحماية هذه الحشرات الهامة.















