للمرة الأولى في تاريخها، قررت وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” إعادة طاقم كامل من محطة الفضاء الدولية إلى الأرض لأسباب طبية. هذه الخطوة غير المسبوقة، والتي تتعلق بمهمة “سبيس إكس كرو-11″، تأتي بعد ظهور حالة طبية غير مستقرة لدى أحد أفراد الطاقم، مما استدعى تقييمًا دقيقًا وتغييرًا في خطط العودة. وتُعد هذه الحادثة تطورًا هامًا في مجال الصحة في الفضاء، وتسلط الضوء على التحديات الفريدة التي تواجه رواد الفضاء.
أعلنت ناسا عن هذا القرار يوم الأربعاء، بعد ساعات من التقييمات الطبية المكثفة. وأكدت الوكالة أن العودة إلى الأرض هي الإجراء الأفضل لضمان حصول رائد الفضاء على الرعاية اللازمة، نظرًا لمحدودية الإمكانات الطبية المتاحة على متن المحطة. ومن المتوقع أن تبدأ عملية العودة في غضون أيام قليلة.
لماذا تُعد الصحة في الفضاء مسألة معقدة؟
يفرض العمل في بيئة الفضاء تحديات كبيرة على صحة الإنسان. التغيرات في الجاذبية تؤثر على توزيع السوائل في الجسم، مما قد يؤدي إلى مشاكل في القلب والأوعية الدموية. بالإضافة إلى ذلك، يضعف الجهاز المناعي لرواد الفضاء مؤقتًا، مما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض. وتشكل القدرة على إجراء التشخيصات الطبية المتقدمة والعلاجات الفعالة تحديًا كبيرًا في الفضاء.
تفاصيل مهمة “كرو-11”
يتكون طاقم “كرو-11” من أربعة رواد فضاء: زينا كاردمان (قائدة المهمة)، ومايكل “مايك” فينكي (طيار المهمة)، وكيميا يوي (أخصائية مهمة من وكالة الفضاء اليابانية “جاكسا”)، وأوليغ بلاتونوف (أخصائية مهمة من وكالة الفضاء الروسية “روسكوزموس”). وصل الطاقم إلى محطة الفضاء الدولية في أغسطس 2025 على متن كبسولة “كرو دراغن إنديفور” التابعة لشركة “سبيس إكس”، وكانت مهمتهم مقررة لمدة ستة أشهر.
بدأت القصة في السابع من يناير، عندما أعلنت ناسا عن تأجيل سير فضائي مخطط له بسبب “مخاوف طبية” تتعلق بأحد أفراد الطاقم. وقد استمرت الفرق الطبية في مراقبة حالة رائد الفضاء في بيئة الجاذبية الصغرى، وخلصت إلى أن العودة إلى الأرض هي الخيار الأمثل لإجراء المزيد من الفحوصات وتقديم العلاج المناسب.
أكد مدير وكالة ناسا أن القرار لا يشير إلى حالة طارئة، ولكنه يعكس التزام الوكالة بسلامة رواد الفضاء. وقال “لدينا القدرة دائمًا على إجراء هبوط اضطراري، ولكن بعض أدوات التشخيص والعلاج ببساطة غير متوفرة على متن محطة الفضاء الدولية”.
من جانبه، أوضح كبير المسؤولين الطبيين في ناسا، الدكتور جيمس بولك، أن الحالة الصحية لا ترتبط بالأنشطة الفضائية المباشرة، بل هي “مسألة طبية ظهرت في بيئة الجاذبية الصغرى، وقررنا التعامل معها بأفضل وسيلة ممكنة”. وتشير التقارير إلى أن هذا القرار يمثل سابقة تاريخية في عمليات الإخلاء الطبي من محطة الفضاء الدولية.
التأثير على برنامج محطة الفضاء الدولية
على الرغم من أن إعادة الطاقم مبكرًا تمثل تغييرًا في الخطط، إلا أن ناسا أكدت أن ذلك لن يؤثر بشكل كبير على برنامج محطة الفضاء الدولية. فقد أنجز طاقم “كرو-11” معظم أهداف مهمتهم، ومن المقرر إطلاق مهمة “كرو-12” في غضون أسابيع قليلة. ويوجد حاليًا ثلاثة رواد فضاء آخرون على متن المحطة، بما في ذلك رائد الفضاء الأمريكي كريستوفر ويليامز.
تُظهر هذه الحادثة أهمية الاستعداد لأي طارئ طبي قد يحدث في الفضاء، وضرورة تطوير تقنيات طبية متقدمة يمكن استخدامها في بيئة الجاذبية الصغرى. كما تؤكد على أهمية التعاون الدولي في مجال استكشاف الفضاء، حيث أن تبادل الخبرات والمعلومات يمكن أن يساعد في تحسين سلامة رواد الفضاء.
تُعد هذه الخطوة بمثابة تذكير بأن استكشاف الفضاء ينطوي على مخاطر، وأن سلامة رواد الفضاء هي الأولوية القصوى. وتشير التوقعات إلى أن ناسا ستراجع إجراءاتها الطبية الحالية، وستعمل على تطوير بروتوكولات جديدة للتعامل مع الحالات الطبية الطارئة في الفضاء. ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن تفاصيل إضافية حول حالة رائد الفضاء وعملية العودة إلى الأرض في الأيام القادمة.
في الختام، تظل الرحلات الفضائية مجالًا مليئًا بالتحديات، وستستمر ناسا وشركاؤها في العمل على تطوير تقنيات جديدة وتحسين إجراءات السلامة لضمان صحة وسلامة رواد الفضاء في المستقبل. وتعتبر هذه الحادثة فرصة للتعلم والتحسين، وستساعد في جعل استكشاف الفضاء أكثر أمانًا واستدامة. كما أن مراقبة تطورات استكشاف الفضاء والتكنولوجيا الفضائية ستكون ذات أهمية بالغة في الفترة القادمة.


