على الرغم من حظر استخدام المبيدات العضوية الكلورينية منذ سنوات، كشفت دراسة حديثة أجريت في المغرب عن وجود آثار لهذه المواد في مياه بحيرة مارتشيكا، المعروفة أيضاً ببحيرة الناظور. هذه النتائج، التي نشرتها دورية “مارين بوليوشن بوليتن” (Marine Pollution Bulletin)، تثير تساؤلات حول التلوث طويل الأمد وتأثيره على النظم البيئية الحساسة. وتعتبر هذه الدراسة بمثابة تذكير بأهمية المراقبة المستمرة لجودة المياه في البحيرات الساحلية.
تقع بحيرة مارتشيكا في شمال شرق المغرب، وهي واحدة من أكبر البحيرات الساحلية في البلاد. وقد أظهرت التحاليل أن ثمانية أنواع من المبيدات العضوية الكلورينية لا تزال موجودة في المياه، على الرغم من حظرها. هذا الاكتشاف يثير مخاوف بشأن تراكم هذه المواد السامة في الكائنات الحية وتأثيرها المحتمل على صحة الإنسان والبيئة.
العثور على 8 مواد كلورينية في بحيرة مارتشيكا
أجرى فريق البحث، المكون من باحثين من جامعة محمد الأول في وجدة والمختبر الوطني لدراسات ورصد التلوث في الرباط، تحليلات دقيقة على عينات مياه جمعت من تسع محطات مختلفة في البحيرة. وقد استخدموا تقنية “الكروماتوغرافيا الغازية المقترنة بمطياف الكتلة” للكشف عن وجود المبيدات العضوية الكلورينية، وهي تقنية حساسة للغاية قادرة على تحديد حتى أصغر كميات من الملوثات.
ووفقًا للدراسة، تراوحت تركيزات المبيدات العضوية الكلورينية المكتشفة بين 1.43 و 24.77 نانوغرام لكل لتر. وسجلت أعلى مستويات التلوث في منطقة الخريف بالقرب من مصب قناة بوارغ، وهي قناة مائية تصب في البحيرة وتحمل مياه الري الزراعية.
مصدر التلوث وعلاقته بالزراعة
تشير النتائج إلى أن مصدر التلوث الرئيسي هو الاستخدام التاريخي للمبيدات في الزراعة في سهل بوارغ المحيط بالبحيرة. فالمبيدات العضوية الكلورينية معروفة بثباتها الكيميائي العالي، مما يعني أنها لا تتحلل بسهولة في البيئة ويمكن أن تبقى في التربة والمياه لفترات طويلة. وبالتالي، فإن مياه الري التي تأتي من السهل الزراعي تحمل معها بقايا هذه المواد الكيميائية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن طبيعة بحيرة مارتشيكا كبحيرة ساحلية شبه مغلقة تساهم في تراكم الملوثات. فالمدخلات المائية محدودة، مما يقلل من تجدد المياه ويزيد من تركيز السموم في مناطق معينة. هذا يجعل البحيرة أكثر عرضة للتلوث من الأنهار أو البحار المفتوحة.
تأثيرات التلوث المحتملة
على الرغم من أن الدراسة لا تشير إلى مخاطر صحية فورية، إلا أنها تؤكد على أهمية مراقبة مستويات التلوث في البحيرة بشكل مستمر. فالمبيدات العضوية الكلورينية يمكن أن تتراكم في السلسلة الغذائية، مما يؤثر على الكائنات الحية التي تعيش في البحيرة، بما في ذلك الأسماك والطيور. وبالتالي، قد يتعرض الإنسان لهذه المواد السامة عند استهلاك الأسماك الملوثة.
وتشير الدكتورة زليخة إيرزي، أستاذة علوم السواحل بجامعة محمد الأول، إلى أن غياب البدائل الآمنة والفعالة من حيث التكلفة للمبيدات العضوية الكلورينية يزيد من صعوبة معالجة هذه المشكلة. وتؤكد على ضرورة إيجاد حلول مستدامة لحماية البيئة وصحة الإنسان.
وتشير الدراسات إلى أن بحيرات ساحلية أخرى في حوض البحر الأبيض المتوسط، مثل مار مينور في إسبانيا وإيتان دو تو في فرنسا، تواجه تحديات مماثلة بسبب تراكم المبيدات والملوثات الأخرى. وهذا يسلط الضوء على الحاجة إلى تعاون إقليمي لمكافحة التلوث البحري.
من المتوقع أن تقوم وزارة البيئة والتنمية المستدامة في المغرب بتقييم نتائج الدراسة واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية بحيرة مارتشيكا. وتشمل هذه الإجراءات المحتملة تعزيز المراقبة البيئية، وتشجيع استخدام الممارسات الزراعية المستدامة، وتوفير الدعم المالي للمزارعين لتبني بدائل آمنة للمبيدات العضوية الكلورينية. وسيتم الإعلان عن خطة عمل مفصلة بحلول نهاية عام 2026.


