اكتشف باحثون أدلة جديدة على استخدام السموم في الصيد منذ العصر الحجري القديم، مما يغير فهمنا لتطور الأدوات والتقنيات البدائية. الدراسة، التي نشرت مؤخرًا، تقدم أقدم دليل مؤكد على استخدام السم على رؤوس السهام في العالم، ويعود تاريخه إلى حوالي 60 ألف سنة. هذا الاكتشاف يلقي الضوء على المعرفة النباتية المتقدمة لدى البشر الأوائل وقدرتهم على استغلالها في الصيد.

تم العثور على هذه الأدلة في موقع “المأوى الصخري بأومهلاتوزانا” في إقليم كوازولو-ناتال بجنوب أفريقيا. تحليل كيميائي لرؤوس سهام كوارتزية قديمة كشف عن وجود بقايا مواد سامة مشتقة من النباتات المحلية. هذا الاكتشاف يثير تساؤلات حول مدى انتشار هذه الممارسة في المجتمعات البشرية القديمة الأخرى.

قوة الكيمياء في فهم تاريخ الصيد بالسم

اعتمد الباحثون على تقنيات متطورة لتحليل بقايا المواد العضوية على رؤوس السهام. استخدموا “التحليل بالكروماتوغرافيا الغازية المقترنة بمطياف الكتلة” (GC-MS) لتحديد المركبات الكيميائية الموجودة. أظهر التحليل وجود قلويات نباتية سامة على خمسة من أصل عشرة رؤوس سهام تم فحصها.

المركبات السامة الرئيسية التي تم تحديدها هي “بوفانيدرين” و”إيبيبوفانيزين”، وهما موجودان بشكل طبيعي في نباتات العائلة الأماريليسية، وخاصة نبات “بوفون ديستيشا” المعروف محليًا باسم “بصلة السم”. تشير هذه النتيجة إلى أن البشر الأوائل في المنطقة كانوا على دراية بخصائص هذا النبات السامة واستخدموه بفعالية في الصيد.

تأثير السم على الفريسة

أظهرت الدراسات المعملية أن مستخلص نبات “بوفون ديستيشا” يمكن أن يكون قاتلاً للحيوانات الصغيرة. في اختبارات على القوارض، أدت الجرعات الصغيرة إلى الوفاة في غضون 20-30 دقيقة، مع ظهور أعراض سمية حادة. هذا يشير إلى أن استخدام السم على رؤوس السهام كان يهدف إلى زيادة فعالية الصيد وتقليل فرص هروب الفريسة المصابة.

مقارنة مع عينات حديثة

للتأكد من دقة النتائج، قام الباحثون بمقارنة العينات القديمة مع عينات ضابطة من سهام تاريخية عمرها حوالي 250 عامًا، محفوظة في السويد. كما قاموا بتحليل مستخلص حديث من نبات “بوفون ديستيشا” للتأكد من تطابق المركبات الكيميائية. أكدت هذه المقارنة أن البصمة الكيميائية للسم الموجود على رؤوس السهام القديمة هي نفسها الموجودة في النبات الحديث.

بالإضافة إلى ذلك، لاحظ الفريق أن توزيع البقايا العضوية على أحد الأسهم كان على الحافة مع مادة لاصقة، مما يدعم فكرة أن السم كان يُطبق عن قصد قبل الصيد. هذا يشير إلى أن هذه الممارسة لم تكن مجرد صدفة، بل كانت جزءًا من تقنية صيد متطورة.

هذا الاكتشاف يضيف بعدًا جديدًا لفهمنا لتاريخ الصيد والتقنيات البدائية. كما يسلط الضوء على أهمية المعرفة النباتية لدى المجتمعات البشرية القديمة وقدرتها على التكيف مع البيئة المحيطة. تعتبر هذه الدراسة خطوة مهمة في استكشاف تاريخ العلاقة بين الإنسان والنبات.

من المتوقع أن يستمر الباحثون في تحليل عينات إضافية من مواقع أثرية أخرى في جنوب أفريقيا، بهدف تحديد مدى انتشار استخدام السم في الصيد في مناطق مختلفة. كما يخططون لإجراء دراسات أعمق حول تأثير السم على الحيوانات المختلفة وتطور تقنيات الصيد على مر الزمن. ستساعد هذه الجهود في بناء صورة أكثر اكتمالاً عن حياة البشر الأوائل وقدراتهم التكنولوجية.

تعتبر هذه النتائج بمثابة نقطة انطلاق لمزيد من الأبحاث في مجال علم الآثار والكيمياء الحيوية، وستساهم في فهم أعمق لتاريخ البشرية وتطورها. من المهم متابعة هذه التطورات لمعرفة المزيد عن التقنيات التي استخدمها أجدادنا في الصيد والبقاء على قيد الحياة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version