تُعدّ دراسة التفاعلات الكيميائية الحيوية داخل الخلايا الحية تحديًا كبيرًا للباحثين، نظرًا لتعقيدها وصعوبة الوصول إليها دون إتلافها. فريق بحثي من جامعة رايس نجح في تطوير تقنية جديدة تعتمد على الخلايا المعدلة وراثيًا، والتي يمكنها تصنيع مكون جديد ذاتيًا لرصد نشاط الإنزيمات المسؤولة عن تنظيم البروتينات، مما يفتح آفاقًا واسعة لفهم أفضل للعمليات الخلوية وتطوير علاجات جديدة. هذه التقنية الجديدة تعتمد على مفهوم الأستلة، وهي عملية تعديل كيميائي للبروتينات تلعب دورًا حاسمًا في تنظيم وظائف الخلايا.
هذا الإنجاز، الذي نُشر في دورية “نيتشر كوميونيكيشنز”، يمثل خطوة مهمة نحو تجاوز القيود التقليدية في تحليل العمليات الحيوية داخل الجسم الحي. الطرق الحالية غالبًا ما تتطلب أخذ عينات من الأنسجة أو تدمير الخلايا، مما يعيق القدرة على مراقبة التفاعلات في الوقت الفعلي وفي بيئتها الطبيعية. التقنية الجديدة تتيح مراقبة هذه العمليات بشكل مستمر وغير جراحي.
تحولات خلوية وفهم الأستلة
تعمل الخلايا كـ “مصانع جزيئية” دقيقة، حيث يتم إنتاج البروتينات وفقًا لتعليمات مشفرة في الحمض النووي. هذه البروتينات ليست مجرد سلاسل من الأحماض الأمينية، بل تخضع لتعديلات كيميائية دقيقة بعد تصنيعها، مثل الأستلة، لتصبح فعالة وقادرة على أداء وظائفها المحددة. الأستلة هي إضافة مجموعة كيميائية تسمى “الأسيتيل” إلى البروتينات، وهي عملية تنظم نشاطها وتفاعلاتها.
تتحكم في عملية الأستلة مجموعتان من الإنزيمات: “الكتبة” التي تضيف مجموعة الأسيتيل، و “الماحين” التي تزيلها. التوازن بين نشاط هاتين المجموعتين يحدد حالة البروتين، سواء كان نشطًا أم خاملًا. فهم هذه الديناميكية أمر بالغ الأهمية لفهم كيفية عمل الخلايا وكيف تتغير استجابةً للمؤثرات الخارجية.
الجيل الجديد من المستشعرات الحيوية
يشرح هان شياو، أستاذ الكيمياء والبيولوجيا والهندسة الحيوية بجامعة رايس، أن التقنية الجديدة تعتمد على إدخال “الحرف الـ21” إلى لغة بناء البروتينات. هذا الحرف الجديد، وهو حمض أميني معدل يسمى “أسيتيل ليسين”، يتم دمجه في إنزيم متوهج. عندما يتم أستلة البروتين، يتغير نشاط الإنزيم المتوهج، مما يؤدي إلى تغيير في شدة الضوء المنبعث منه. وبالتالي، يمكن للباحثين استخدام هذا الضوء كمؤشر مباشر على نشاط الإنزيمات المنظمة للأستلة داخل الخلية.
الجدير بالذكر أن الفريق لم يخترع حمضًا أمينيًا جديدًا من الصفر، بل قام بتعديل حمض الليسين الموجود بشكل طبيعي في الخلايا. الابتكار يكمن في قدرة الخلية على تصنيع هذا الشكل المعدل واستخدامه بشكل ذاتي ومستمر، دون الحاجة إلى إضافته من الخارج. هذا يتيح مراقبة مستمرة ودقيقة لعملية الأستلة في الخلايا الحية.
تطبيق التقنية في أبحاث السرطان
استخدم الباحثون هذه التقنية الجديدة في نموذج لفئران تحمل أورامًا سرطانية، لاختبار تأثير دواء يثبط إنزيم “إس آي آر تي 1” (SIRT1)، وهو أحد الإنزيمات المسؤولة عن إزالة مجموعة الأسيتيل. وفوجئوا بأن حجب نشاط هذا الإنزيم لم يؤدِ دائمًا إلى تقليص حجم الورم، مما يشير إلى أن دوره في تطور السرطان أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا. هذا يوضح أهمية فهم السياق الخلوي المحدد وتأثيره على وظيفة الإنزيمات.
وفقًا لشياو، فإن هذه التقنية توفر أداة فعالة لفحص العلاجات الجديدة بفعالية أكبر، وتوجيه التصميم العقلاني للعلاجات المركبة للسرطان. فهي تتيح للباحثين تصور تأثيرات الأدوية مباشرة في الأنسجة الحية، مما يساعدهم على تحديد أفضل الاستراتيجيات العلاجية.
تعتبر هذه التقنية الجديدة إضافة قيمة إلى الأدوات المتاحة للباحثين في مجال البيولوجيا الكيميائية وعلم الأحياء الخلوي. من المتوقع أن يتم استخدامها على نطاق واسع في المستقبل لدراسة مجموعة متنوعة من العمليات الحيوية، وتطوير علاجات جديدة للأمراض المختلفة. الخطوة التالية تتضمن توسيع نطاق تطبيق هذه التقنية لدراسة أنواع أخرى من التعديلات الكيميائية للبروتينات، وفهم دورها في تنظيم وظائف الخلايا. سيراقب الباحثون أيضًا التطورات في مجال توسيع الشفرة الوراثية، وهو مجال مرتبط بشكل وثيق بهذه التقنية، لدمج المزيد من الأحماض الأمينية غير الطبيعية في البروتينات.


