في الشتاء، لا يكون المنخفض الجوي الذي يضرب منطقتنا العربية مجرد خبر طقس عابر، بل ظاهرة ذات أثر قد يكون ضاربًا. علميًا هو نظام جوي منخفض الضغط يغير حركة الهواء والرطوبة، وإنسانيًا قد يصبح مفاقمًا للأزمة حين يضرب مناطق يعيش فيها الناس تحت خيام رقيقة أو في أبنية متصدعة، كما يحدث اليوم في غزة وبعض مخيمات النازحين في شمال سوريا. هذا المقال يستعرض طبيعة المنخفضات الجوية وتأثيراتها المتزايدة في ظل الظروف الإنسانية الصعبة.

تتزايد المخاوف من تأثير المنخفضات الجوية القادمة على المناطق المتضررة، خاصة مع ضعف البنية التحتية وتزايد أعداد النازحين. وتأتي هذه التحذيرات في ظل استمرار الأزمات الإنسانية في قطاع غزة وشمال سوريا، حيث يفتقر السكان إلى المأوى المناسب والاحتياجات الأساسية لمواجهة الظروف الجوية القاسية.

تنشط الرياح أثناء المنخفضات الجوية (بيكسابي)

ما المنخفض الجوي؟

الضغط الجوي هو وزن عمود الهواء فوق نقطة ما، وعندما تتشكل منطقة يكون ضغطها أقل من المناطق المجاورة، يسميها العلماء منخفضًا جويًا. هذه المناطق ذات الضغط المنخفض تجذب الهواء من حولها، مما يؤدي إلى حركة الرياح وتكوين السحب.

بسبب ذلك، فإن الهواء ينجذب من المناطق المجاورة نحو مركز المنخفض عند سطح الأرض، وحينما يصل فإن هذا الهواء يندفع إلى أعلى صعودًا، ومع الصعود يبرد الهواء، فتتكاثف رطوبته وتتشكل السحب والأمطار. المنخفضات الجوية ليست مجرد أنظمة طقسية، بل هي محركات ديناميكية تؤثر على المناخ المحلي والإقليمي.

ولأن هناك فرق كبير في الضغط بين مناطق المنخفض وما حوله، بشكل يشبه أن يكون هناك فارق بين مستويين للماء، تنشط الرياح، وكلما كان الفرق أكبر كانت الرياح أقوى. تعتبر الرياح القوية من أبرز سمات المنخفضات الجوية، ويمكن أن تصل سرعتها إلى مئات الكيلومترات في الساعة.

في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، مثل منطقتنا العربية، يدور الهواء حول المنخفض عادة عكس عقارب الساعة بفعل ما يعرف بتأثير كوريوليس، ما يساعد على تنظيم أحزمة رياح وجبهات هوائية قد تعزز هطول الأمطار. هذا التأثير يلعب دورًا هامًا في تحديد مسار المنخفضات الجوية وتوزيع الأمطار.

المنخفض الجوي إذن ليس هواء باردًا فقط، بل هو محرك ديناميكي يجمع الهواء قرب السطح ثم يرفعه، فيحول الرطوبة إلى سحب وأمطار، ويسرع الرياح.

المشكلة في غزة مثلًا ليست الطقس وحده، بل تقاطع الطقس الحاد مع هشاشة المأوى والبنية التحتية (الجزيرة)

شتاء شرق البحر المتوسط

الشتاء في منطقتنا العربية، وبخاصة شرق البحر المتوسط، هو موسم المنخفضات الجوية، لأن الغلاف الجوي في هذا الوقت يصبح أكثر استعدادًا لإنتاج العواصف. تتأثر هذه المنطقة بشكل خاص بالمنخفضات الجوية القادمة من البحر الأبيض المتوسط.

في هذا السياق فإن فارق الحرارة بين مناطق الشمال ومناطق الجنوب يزداد بالشتاء، وهذا يخلق بيئة تغذي نشوء الاضطرابات الجوية وتحولها إلى منخفضات ممطرة. هذا الفارق في درجات الحرارة يعتبر من العوامل الرئيسية التي تؤدي إلى تكوين المنخفضات الجوية.

من جانب آخر فإن ديناميكا الغلاف الجوي العلوي تنشط في الشتاء، فمسار العواصف والتيارات النفاثة تساعد على تعميق المنخفض عند السطح، أي جعل الضغط ينخفض أكثر وتزيد قوة الرياح وصعود الهواء الذي يصنع السحب والمطر. تلعب التيارات النفاثة دورًا هامًا في توجيه وتكثيف المنخفضات الجوية.

وفي شرق المتوسط توجد منظومة شتوية معروفة باسم “منخفض قبرص” تعد من أهم أسباب معظم أمطار الشتاء وتقلباته في بلاد الشام والسواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط. يعتبر منخفض قبرص من الظواهر الجوية المتكررة في هذه المنطقة.

أضف لذلك أن البحر المتوسط يمد المنخفضات ببخار الماء، وعندما يندفع الهواء الرطب نحو مركز المنخفض ثم يرفع إلى أعلى يبرد ويتكاثف مطلقًا المطر. يعتبر بخار الماء من العوامل الأساسية التي تساهم في هطول الأمطار.

الرياح القوية والأمطار تتسبب في غمر مناطق الإيواء المنخفضة (الجزيرة)

ليس الطقس وحده

لكن الأمر لا يتوقف فقط على العلم وراء منخفضات كهذه، فالمشكلة في غزة مثلًا ليست الطقس وحده، بل تقاطع الطقس الحاد مع هشاشة المأوى والبنية التحتية. تفاقم الأوضاع الإنسانية في غزة يجعل السكان أكثر عرضة لتأثيرات المنخفضات الجوية.

في هذا السياق فإن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أنه على الرغم من الكثير من الجهود، لا يزال ما لا يقل عن 1.1 مليون شخص في غزة بحاجة ماسة للمساعدة مع استمرار تدهور الأحوال الجوية. تؤكد هذه التقارير على الحاجة الملحة لتقديم المساعدة الإنسانية للسكان المتضررين.

ومع ضربات المطر والرياح، لا يزال الأطفال من بين الفئات الأكثر تضررًا، وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، الأحد الماضي، ارتفاع وفيات البرد الشديد في مخيمات النزوح إلى 21، بينهم 18 طفلًا، جراء تبعات الإبادة الإسرائيلية التي استمرت عامين. هذا الارتفاع في الوفيات يثير قلقًا بالغًا بشأن سلامة الأطفال في مخيمات النزوح.

يأتي ذلك في سياق أن الرياح القوية والأمطار تتسبب في غمر مناطق الإيواء المنخفضة، حيث التصريف محدود، فتتحول الأرض إلى طين ومستنقعات، ما يفاقم المشكلة. يعيق غمر المياه حركة السكان ويجعل حياتهم أكثر صعوبة.

وفي النهاية فالخيام، مهما بلغت من قوة، ليست مصممة للشتاء القاسي وتبعاته من ماء متسرب وهواء شديد قد يتسبب في قطع القماش بل والبلاستيك.

المعادلة تتكرر

وفي شمال سوريا، تتكرر المعادلة نفسها، حيث تضرب المنخفضات الجوية مخيمات النازحين التي لا تمتلك ما يكفي من البنية التحتية لمقاومة كل ذلك. تعاني مخيمات النازحين في شمال سوريا من نقص حاد في الموارد والخدمات الأساسية.

وفي تلك المناطق فإن المشكلة لها وجهان، الأول مثل غزة، يتعلق بالغمر بالمياه في الأراضي الطينية وممرات المخيمات، ما يعطل الحركة ويزيد التعرض للبرد. يعتبر الغمر بالمياه من أبرز التحديات التي تواجه مخيمات النازحين.

أما الوجه الآخر للمشكلة فيتعلق بتساقط الثلوج، ما يضاعف الحاجة إلى عزل أفضل ووقود للتدفئة وملابس جافة، وهي أشياء قد لا تكون متوفرة في تلك المناطق بسهولة. تزيد الثلوج من صعوبة الحصول على الموارد الأساسية وتزيد من خطر الإصابة بأمراض الشتاء.

الفكرة إذن أن المنخفضات الشتوية في شرق المتوسط ظاهرة معروفة ومتكررة، يرى العلماء أن معدلات تكرارها قد ترتفع مع تطور تغير المناخ، لكن المشكلة الأكبر ليست في وجود منخفض، بل أن أثره اليوم يصل إلى بيئات شديدة الهشاشة، فيغدو الطقس مشكلة كبيرة. من المتوقع أن تستمر المنخفضات الجوية في التأثير على المنطقة خلال فصل الشتاء، مع الحاجة إلى اتخاذ تدابير وقائية عاجلة لحماية السكان المتضررين.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version