انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

لم تعد المواجهات بين مصر والسنغال في السنوات الأخيرة مجرد مباريات كبرى تُحسم بتفاصيل دقيقة داخل المستطيل الأخضر، بل باتت مرآة تعكس تحولًا عميقًا في ميزان القوى داخل كرة القدم الأفريقية. فالصراع الذي طالما مال تاريخيًا لصالح المنتخب المصري، دخل في السنوات الأخيرة مرحلة جديدة فرض فيها المنتخب السنغالي نفسه بوصفه النموذج الأكثر جاهزية واستمرارية، مدعومًا بمشروع كروي واضح المعالم. هذا التحول يطرح تساؤلات حول مستقبل كرة القدم المصرية وقدرتها على استعادة مكانتها القارية.

من التفوق التاريخي إلى المعادلة الجديدة في مواجهة مصر والسنغال

تُظهر الأرقام التاريخية قدرا من التوازن بين المنتخبين، وإن كانت الأفضلية العددية تميل لصالح مصر. فوفقا لبيانات الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، تواجه المنتخبان في 15 مباراة رسمية، حققت مصر الفوز في 7 منها، مقابل 5 انتصارات للسنغال، بينما انتهت 3 مباريات بالتعادل. لكن هذه الأرقام، بمعزل عن سياقها الزمني، لا تُبرز التحول الفعلي في مسار هذا الصراع.

ففي العقد الأول من الألفية الجديدة، بسط “الفراعنة” هيمنتهم القارية بفضل جيل ذهبي استثنائي، تُوّج بثلاثة ألقاب متتالية في كأس الأمم الأفريقية. وكان فوزهم في نصف نهائي نسخة 2006 بالقاهرة على السنغال (2-1) إحدى أبرز محطاتهم المفصلية. حينها، جسّدت تلك المواجهة فارقًا جليًا في الخبرة والجاهزية بين منتخب بلغ أوج نضجه القاري، وآخر كان لا يزال في طور التكوين.

الهيمنة السنغالية الحديثة: ليست مجرد نتائج عابرة

في المقابل، شهدت السنوات الأخيرة صعودا متدرجا لكنه ثابتا للمنتخب السنغالي، تُوّج بلقب كأس الأمم الأفريقية 2021، ثم تأكد بتفوقه على مصر في محطات حاسمة، أبرزها نهائي البطولة ذاتها، وملحق التأهل إلى كأس العالم 2022، وصولًا إلى نصف نهائي كأس أفريقيا 2025.

وتكمن خطورة هذا التفوق في كونه لم يكن حدثا معزولا، بل نتيجة تتكرر في سياقات مختلفة، وهو معيار أساسي لقياس قوة أي جيل كروي. فالسنغال لم تكتف بكسر عقدة تاريخية، بل رسّخت نفسها كمنتخب قادر على إدارة المباريات الكبرى، وحسمها ذهنيا قبل أن يفعل ذلك فنيا. هذا النجاح يعكس استثمارًا مدروسًا في تطوير كرة القدم السنغالية.

الجيل السنغالي: نموذج للاستثمار طويل الأمد

يمثل المنتخب السنغالي الحالي نموذجا واضحا لثمار الاستثمار طويل الأمد في كرة القدم، ويقوم هذا النموذج على عدة ركائز أساسية:

  • استقرار فني وإداري واضح لسنوات متتالية.
  • قاعدة واسعة من اللاعبين المحترفين في أعلى المستويات الأوروبية.
  • هوية لعب متماسكة تجمع بين القوة البدنية والانضباط التكتيكي.
  • نضج ذهني وقدرة عالية على التعامل مع الضغوط في المباريات المصيرية.

هذه العوامل مجتمعة جعلت من “أسود التيرانغا” فريقا يصعب كسره، حتى في اللحظات التي لا يكون فيها في أفضل حالاته الفنية.

الجيل المصري: مواهب فردية تحتاج إلى منظومة

على الجانب الآخر، لم يفتقر المنتخب المصري إلى المواهب، بل امتلك أسماء من الطراز العالمي، يتقدمها محمد صلاح، إلى جانب عناصر بارزة مثل عمر مرموش وتريزيغيه، غير أن المشكلة الأساسية تمثلت في غياب المشروع المتكامل.

إن التغيّر المستمر في الأجهزة الفنية، وتباين الرؤى التكتيكية، والاعتماد المتكرر على أسلوب ردّ الفعل في المباريات الكبرى، كلها عوامل أضعفت قدرة المنتخب على فرض شخصيته، وجعلته يبدو أقل تماسكًا أمام منتخبات تمتلك وضوحًا أكبر في الهوية، مثل السنغال. هذا النقص في التخطيط يؤثر بشكل كبير على أداء المنتخب الوطني المصري.

المواجهات المباشرة: تفوق ذهني يتجاوز التكتيك

تكشف المواجهات الحاسمة بين المنتخبين عن فجوة تتجاوز الجوانب الفنية:

  • السنغال تدخل المباريات بثقة فريق يعرف طريق الانتصار.
  • بينما تلعب مصر تحت ضغط التاريخ ومحاولة كسر عقدة نفسية متراكمة.
  • التحكم السنغالي في إيقاع اللعب وحرمان مصر من الاستحواذ كان سمة متكررة.

هذا التفوق الذهني انعكس في تفاصيل دقيقة لكنها حاسمة، من إدارة ركلات الترجيح، إلى الصبر التكتيكي، وصولا إلى استغلال اللحظات المفصلية داخل المباريات.

هل انتهى التفوق المصري؟ وما هو مستقبل كرة القدم المصرية؟

لا تعني الهيمنة السنغالية الحالية نهاية الدور المصري في القارة، لكنها تفرض مراجعة عميقة لمفهوم بناء المنتخبات. فالتاريخ وحده لم يعد كافيا، والنجومية الفردية لا تعوض غياب المنظومة.

ويبقى السؤال مطروحا هل ينجح المنتخب المصري في إعادة بناء مشروع يعيده من فريق يبحث عن النجاة في المباريات الكبرى، إلى منتخب يفرض إيقاعه كما فعلت أجياله الذهبية؟ أم تواصل السنغال ترسيح نفسها كقوة أولى في أفريقيا لسنوات مقبلة؟ الإجابة، كما أثبتت التجربة، لن تحسمها مباراة واحدة، بل مسار طويل من البناء والاستمرارية. الاستثمار في قطاع الناشئين ووضع خطة طويلة الأمد هما مفتاح استعادة أمجاد كرة القدم المصرية.

شاركها.
اترك تعليقاً