أعلن المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف لدعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن تركي المالكي، عن تنفيذ ضربات جوية استباقية ومحدودة في محافظة الضالع فجر يوم 6 يناير 2026. هذا التطور الأخير، والذي يأتي في خضم توترات متصاعدة، يضع مستقبل اليمن على مفترق طرق، ويطرح تساؤلات حول مسار الحل السياسي والأمني في البلاد. هذه العملية العسكرية جاءت ردًا على تحركات قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وتزامنت مع اختفاء رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، في ظروف غامضة، مما زاد من حدة الأزمة. هذا المقال سيتناول تفاصيل هذه الأحداث، وخلفيتها، والتداعيات المحتملة على اليمن والمنطقة.

خلفية التوتر وسياق الأحداث في اليمن

العلاقة بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والمجلس الانتقالي الجنوبي، لطالما كانت معقدة وشائكة. على الرغم من وحدة الهدف المشترك، وهو التصدي لجماعة الحوثي المدعومة إيرانيًا، إلا أن الأهداف السياسية والرؤى المتباينة بين الطرفين تسببت في صراعات خفية ومواجهات ميدانية متفرقة. المجلس الانتقالي، الذي يطمح إلى استعادة دولة جنوب اليمن المستقلة، يرى في الحكومة اليمنية الحالية عقبة أمام تحقيق هذا الهدف، وهو ما يفسر التوترات المتكررة.

المملكة العربية السعودية، بدورها، لعبت دورًا محوريًا في محاولة احتواء هذه الخلافات، ورعاية اتفاقيات مثل “اتفاق الرياض” بهدف توحيد الصفوف وتعزيز الاستقرار. ومع ذلك، وعلى الرغم من الجهود السعودية، لا تزال التحديات الأمنية والسياسية قائمة، وتعيق تحقيق السلام الدائم في اليمن. الأزمة اليمنية عميقة الجذور وتتطلب حلولًا شاملة تأخذ بعين الاعتبار كافة الأطراف والمصالح المتنافسة.

تفاصيل أزمة اختفاء الزبيدي والتصعيد الأمني

بدأت الحلقة الأخيرة من التوتر باستدعاء قيادة التحالف لعيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى المملكة العربية السعودية لمناقشة التصعيد الأمني والهجمات المتزايدة التي نفذتها قوات الانتقالي في محافظتي عدن والضالع. تم تحديد 4 يناير 2026 موعدًا نهائيًا لوصول الزبيدي.

في البداية، بدت الأمور إيجابية، حيث رحب المجلس الانتقالي بالدعوة وأكد استعداد الزبيدي للحضور. لكن، وبينما كان الوفد المرافق للزبيدي يستعد للمغادرة من المطار، تعرضت رحلتهم لتأخير غير مبرر لأكثر من ثلاث ساعات. خلال هذا الوقت، تلقت قوات التحالف والحكومة الشرعية معلومات استخباراتية تفيد بأن الزبيدي أصدر أوامر سرية بتحريك قوات وتوزيع أسلحة في مدينة عدن، قبل أن يغادر المطار فجأة إلى وجهة مجهولة، متاركًا وفده يسافر بدونه.

هذا التحول المفاجئ أثار الشكوك والانتقادات، واعتبرته قيادة التحالف خطوة تصعيدية تهدف إلى تقويض جهود السلام والاستقرار في اليمن.

الضربات الجوية في الضالع ورد قوات التحالف

استجابةً لهذه التحركات التي اعتبرها التحالف تهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار العاصمة المؤقتة عدن والمناطق المحيطة بها، اتخذت قوات التحالف إجراءات أمنية مشددة. بتوجيه من نائب رئيس المجلس الرئاسي، عبد الرحمن المحرمي (أبو زرعة)، انتشرت قوات “درع الوطن” وقوات التحالف في مواقع استراتيجية لمنع أي اشتباكات محتملة.

ومع ذلك، رصدت قوات التحالف تحركًا لقوات تابعة للمجلس الانتقالي وتمركزها في مبنى بالقرب من معسكر “النصر” في محافظة الضالع. اعتبر التحالف هذا التمركز استمرارًا للتصعيد، وتقويضًا لجهود التهدئة. وبناءً على ذلك، تم تنفيذ ضربات جوية محدودة فجر يوم 6 يناير 2026، بهدف “تعطيل تلك القوات وإفشال ما كان يهدف إليه عيدروس الزبيدي من تفاقم الصراع” كما جاء في بيان صادر عن التحالف.

هذه الضربات، على الرغم من محدوديتها، أرسلت رسالة واضحة للمجلس الانتقالي حول رفض التحالف لأي خطوات تهدد الأمن والاستقرار في اليمن.

تداعيات محتملة وأهمية الأحداث الجارية

هذا التصعيد يحمل في طياته تداعيات خطيرة على مستقبل المشهد اليمني برمتّه. فهو لا يهدد فقط تماسك الجبهة المناهضة للحوثيين، بل يعيد إلى الواجهة الانقسامات العميقة داخل معسكر الشرعية، مما قد يعيق تحقيق تقدم في عملية السلام. إن لجوء التحالف إلى استخدام القوة العسكرية ضد فصيل يعتبر حليفًا اسميًا يعكس مدى خطورة الموقف ورغبة الرياض في فرض خطوط حمراء لمنع انهيار الأوضاع الأمنية في المناطق المحررة.

الغموض الذي يحيط بمصير عيدروس الزبيدي يزيد من تعقيد الأمور، ويفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة. قد يؤدي اختفاؤه إلى تماسك أكبر في صفوف المجلس الانتقالي، أو قد يؤدي إلى تفاقم الخلافات الداخلية وتفككه. بالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن تستغل جماعة الحوثي هذا التوتر لتعزيز موقفها وتحقيق مكاسب ميدانية.

في الختام، أكد التحالف على استمراره في دعم جهود حفظ الأمن والاستقرار في اليمن، بالتعاون الوثيق مع الحكومة اليمنية. ودعا التحالف المواطنين إلى الابتعاد عن أي تجمعات أو مواقع عسكرية حفاظًا على سلامتهم. من الواضح أن الأيام القادمة ستكون حاسمة لتحديد مسار الأحداث في اليمن، وأن الحلول السياسية الشاملة هي السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم والاستقرار. يبقى الأمل معقودًا على الجهود المتواصلة لإيجاد أرضية مشتركة بين جميع الأطراف اليمنية، وبدعم من المجتمع الدولي، من أجل بناء مستقبل أفضل لليمنيين.

شاركها.
اترك تعليقاً