أعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري عن بدء عملية عسكرية لتمشيط حي الشيخ مقصود في مدينة حلب، وذلك بعد فشل التوصل إلى اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المسيطرة على الحي. هذا التصعيد يمثل نقطة تحول في المشهد الميداني المعقد في شمال سوريا، ويضع العلاقات المتوترة بين الحكومة السورية والقوات الكردية تحت المجهر. يركز هذا المقال على تفاصيل عملية الجيش السوري في الشيخ مقصود، وأسبابها، وتداعياتها المحتملة على الصعيدين المحلي والإقليمي.
أسباب إطلاق عملية تمشيط حي الشيخ مقصود
جاء قرار الجيش السوري ببدء العملية العسكرية بعد فترة من المفاوضات المتعثرة مع قوات سوريا الديمقراطية. ووفقاً لبيان صادر عن هيئة العمليات، فإن السبب الرئيسي وراء انهيار هذه المفاوضات هو ما وصفته بـ”سياسة المماطلة” التي اتبعتها قسد.
وتضمنت الاتهامات الموجهة لقوات سوريا الديمقراطية استهداف الحافلات التي تقل عناصر من الجيش السوري، بالإضافة إلى قصف مواقع عسكرية، مما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة أكثر من اثني عشر آخرين. هذه الهجمات، بحسب الجيش السوري، أظهرت عدم جدية قسد في التعاون وإحلال الاستقرار.
إضافة إلى ذلك، أشار البيان إلى رصد وجود عناصر تابعة لحزب العمال الكردستاني (PKK) داخل حي الشيخ مقصود. وتتهم دمشق هذه العناصر بالتورط في عمليات قتل طالت شباناً من سكان المنطقة، معتبرةً ذلك تهديداً مباشراً لأمنها القومي. هذه الاتهامات تزيد من حدة التوتر وتبرر، من وجهة نظر الحكومة السورية، ضرورة التدخل العسكري.
الأهمية الاستراتيجية لحي الشيخ مقصود في حلب
يحمل حي الشيخ مقصود، الذي يقطنه غالبية من الأكراد، أهمية استراتيجية كبيرة في سياق مدينة حلب. خلال سنوات الحرب السورية، استطاعت وحدات حماية الشعب الكردية (YPG)، المكون الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية، الحفاظ على سيطرتها على الحي، وتحويله إلى جيب مستقل داخل المدينة التي شهدت معارك ضارية.
موقع الحي المتميز
يعتبر موقع الحي المرتفع من أهم مميزاته الاستراتيجية، حيث يتيح له الإشراف على أجزاء واسعة من مدينة حلب. هذا الموقع يمنح الحي وزناً عسكرياً وسياسياً كبيراً، ويجعله نقطة ارتكاز محتملة لأي تحركات عسكرية في المنطقة.
تاريخ العلاقة بين الحكومة السورية وقسد في الحي
لطالما كانت العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية في حي الشيخ مقصود علاقة معقدة ومتأرجحة. شهدت فترات من التنسيق التكتيكي ضد فصائل المعارضة الأخرى، ولكنها تخللتها أيضاً فترات من التوتر بسبب سعي كل طرف إلى بسط سيطرته الكاملة على الحي. هذه الديناميكية المتغيرة ساهمت في تأجيج الصراع الحالي.
التداعيات المحتملة لعملية الجيش السوري
من المتوقع أن يكون لعملية الجيش السوري في الشيخ مقصود تداعيات كبيرة على مختلف الأصعدة، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي.
التداعيات المحلية: مخاوف من التصعيد الإنساني
على الصعيد المحلي، تثير العملية مخاوف جدية من اندلاع اشتباكات عنيفة داخل منطقة مكتظة بالسكان. هذا قد يؤدي إلى موجة نزوح جديدة للسكان، وتدهور حاد في الوضع الإنساني. كما أن العملية تمثل محاولة واضحة من الحكومة السورية لفرض سيادتها الكاملة على مدينة حلب، وتقويض نفوذ الإدارة الذاتية التي يقودها الأكراد.
التداعيات الإقليمية: مراقبة دولية وتدخل محتمل
إقليمياً، يراقب الفاعلون الدوليون هذا التطور عن كثب. تعتبر روسيا، التي غالباً ما تلعب دور الوسيط بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، من بين الجهات الأكثر اهتماماً بالوضع. قد تتدخل روسيا لاحتواء الموقف ومنع المزيد من التصعيد.
في المقابل، قد تنظر الولايات المتحدة، الداعمة لقوات سوريا الديمقراطية في حربها ضد تنظيم داعش، إلى هذا التصعيد على أنه تقويض لجهود الاستقرار في المنطقة. هذا قد يدفعها إلى اتخاذ خطوات دبلوماسية أو حتى عسكرية لحماية حلفائها الأكراد.
مستقبل حي الشيخ مقصود بعد العملية العسكرية
أكد الجيش السوري أن العملية العسكرية تهدف إلى إخراج المجموعات المسلحة من الحي وتسليمه لمؤسسات الدولة الأمنية والخدمية فور انتهاء العمليات. هذا يشير إلى أن الحكومة السورية تسعى إلى إعادة الحي إلى سيطرتها الكاملة وإعادة تطبيعه ضمن النسيج السوري.
ومع ذلك، يبقى مستقبل حي الشيخ مقصود غير واضح. من المرجح أن تشهد المنطقة فترة من عدم الاستقرار والتوتر، خاصة إذا لم يتم التوصل إلى حل سياسي شامل يضمن حقوق جميع المكونات العرقية والدينية. الوضع في حلب يتطلب حواراً بناءً وتوافقاً وطنياً لتجنب المزيد من المعاناة وضمان مستقبل أفضل لسكانها.
في الختام، تمثل عملية الجيش السوري في الشيخ مقصود تطوراً خطيراً في سياق الصراع السوري. يتطلب هذا الوضع متابعة دقيقة وتحليلاً معمقاً لفهم التداعيات المحتملة والعمل على إيجاد حلول سلمية تضمن استقرار المنطقة وحماية المدنيين. ندعو إلى الحوار والتفاوض كسبيل وحيد لإنهاء هذا الصراع وتحقيق السلام الدائم في سوريا.


