يختلف كل شخص في طريقة تعامله مع التوتر، فبينما يلجأ البعض إلى ممارسة الرياضة أو قضاء وقت في الهواء الطلق، يفضل آخرون الانشغال بهواياتهم أو مشاركة مشاعرهم مع المقربين والأصدقاء. إلا أن دراسات حديثة تسلط الضوء على سلوك قد يبدو بسيطًا واعتياديًا، لكن له تأثير ملحوظ في نقل الجسم من حالة الإجهاد والتوتر إلى حالة الهدوء والتعافي. نتحدث هنا عن الدندنة أو ما يعرف في ممارسات اليوغا بتقنية (بهراماري براناياما) أو تنفس النحلة الطنانة.
كيف تعيد الدندنة صياغة توازنك النفسي؟
قد تبدو الدندنة أو صوت “مممم” مجرد عادة تلقائية نصدرها دون تفكير عند تشغيل الموسيقى أو حتى أثناء التركيز والاسترخاء، لكنها في الواقع تحمل ما هو أبعد من مجرد نغمة تصدر من شفتين مغلقتين. إنها تعبر عن قوة داخلية متاحة للجميع بدون تكلفة أو تجهيزات، تساعد على تهدئة الجهاز العصبي وخلق حالة متناغمة من الصحة الجسدية والذهنية والعاطفية.
والهمهمة أو الدندنة ليست تقنية حديثة، بل هي ممارسة قديمة تستخدمها ثقافات متعددة حول العالم منذ آلاف السنين كوسيلة للتأمل والتواصل الروحي والشفاء. وتعود اليوم لتحظى باهتمام متجدد، خصوصًا لدى من يرغبون بتعزيز صحتهم النفسية والعاطفية. تعتبر الدندنة شكلًا من أشكال التنفس الصوتي القائم على الشهيق والزفير المصحوب بصوت داخلي أو نغمة ثابتة ومتواصلة تشبه طنين النحلة، فتساعد على تهدئة العقل وتخفيف التوتر وخلق حالة من الهدوء.
تأثير الدندنة على الصحة الجسدية والعقلية
تشير الدراسات الحديثة إلى أن الدندنة تسهم في خفض هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، كما تعزز إفراز الإندورفين والسيروتونين، وهما ناقلان عصبيان يرتبطان بتحسين المزاج وتقليل الشعور بالقلق. أكدت دراسة نشرت في المكتبة الوطنية الأميركية للطب عام 2023 أن الدندنة قد تمثل أداة فعالة لإدارة التوتر وتعزيز الهدوء والتوازن وسط صخب الحياة اليومية.
وأشار الباحثون إلى أن المواظبة على ممارستها قد تساهم في تحسين صحة القلب من خلال المساعدة على تنظيم ضرباته وتعزيز تباين معدل نبض القلب (HRV)، وهو مؤشر يرتفع عادة عندما يكون الجسم في حالة استرخاء وراحة. هذا التأثير الإيجابي على القلب والأوعية الدموية يجعل من الدندنة ممارسة مفيدة بشكل خاص للأشخاص الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو القلق المرتبط بالقلب.
ماذا يحدث في الجسم أثناء الدندنة؟
عند الهمهمة، تنشأ ذبذبات صوتية لطيفة تتردد في الحلق والصدر والرأس، مما يحفز تدفق الهواء. وتمتد هذه الاهتزازات عبر عظام الجمجمة والوجه، مرسلة إشارات تعزز الهدوء والوعي الذاتي. هذه الذبذبات تعمل كنوع من التدليك الداخلي، مما يساعد على تخفيف التوتر في عضلات الوجه والرقبة.
كما تعزز هذه الممارسة الزفير البطيء والمتحكم فيه، وهو ما يعزز بدوره استجابة الجهاز العصبي الباراسمبثاوي، المسؤول عن الراحة والتعافي والهضم، ويوازن تأثير الجهاز العصبي الودي المرتبط بالتوتر. هذا التوازن بين الجهازين العصبيين يسمح للجسم بالعودة إلى حالة الاسترخاء الطبيعية.
ومع حركة الحجاب الحاجز برفق وتباطؤ وتيرة التنفس، ترتفع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الدم بصورة طبيعية، مما يعزز قدرة الجسم على تحمله ويثبت إيقاع التنفس، ليصبح أكثر توازنًا وانسجامًا مع الجسم والعقل. هذا الارتفاع في ثاني أكسيد الكربون له تأثير مهدئ على الجهاز العصبي المركزي.
فوائد الدندنة كأحد ممارسات اليقظة الذهنية
الدندنة تقدم مجموعة واسعة من الفوائد، خاصة عند دمجها في روتين اليقظة الذهنية:
- تقليل التوتر: تساعد على خفض مستويات الكورتيزول، وهو هرمون التوتر وتحفيز إفراز الإندورفين (هرمون السعادة)، مما يجعلها طريقة بسيطة وفعالة للحد من القلق والسماح بنظرة أكثر إيجابية للحياة.
- تحفيز العصب المبهم وإدارة المشاعر: تعمل الدندنة لبضع دقائق على تحفيز العصب المبهم ويرتبط ذلك بتعزيز المرونة العاطفية وتقليل القلق وتحسين النوم والهضم، إضافة إلى تقليل خطر الإصابة بالأمراض الالتهابية المزمنة.
- دعم الجهاز التنفسي: وجدت دراسة نشرتها المجلة الأميركية لصحة الجهاز التنفسي عام 2002 أن الدندنة تزيد إنتاج الأكسجين في الجسم بمعدل 15 ضعفًا، وهو عنصر كيميائي مهم لتحسين الدورة الدموية ودعم توصيل الأكسجين إلى الخلايا وكذلك تعزيز مناعة الجسم ضد العدوى وحماية الجهاز التنفسي من مسببات الأمراض.
- تعزيز التركيز: يساعد الإيقاع الصوتي المنتظم للدندنة على توجيه انتباهك نحو اللحظة الحالية وصرف ذهنك عن الأفكار المقلقة، وهو ما ينعكس على التركيز والإنتاجية.
- العلاج الصوتي: يمكن اعتبارها شكلًا من أشكال العلاج الصوتي، إذ تعمل على تقوية الأحبال الصوتية وزيادة التحكم في طبقة الصوت ونبرته، وقد تساعد الأطفال الذين يعانون من تأخر النطق على تحسين وظائف الفم الحركية.
كيف تمارس الدندنة بفعالية؟
تعد الدندنة تقنية سهلة لا تتطلب أي معدات ويمكن ممارستها في أي مكان وفي أي وقت حتى أثناء إنجاز مهامك. يمكنك إدخالها في الروتين اليومي من خلال هذه الخطوات:
- ابدأ بالجلوس في وضع مريح سواء على كرسي أو على الأرض، مع الحفاظ على استقامة ظهرك وإرخاء كتفيك.
- أغلق فمك وعينيك برفق، يمكنك استخدام إصبعي السبابة للضغط برفق على الجفون ثم دع جسمك يسترخي.
- أغلق أذنيك بالضغط برفق على زنمة الأذن باستخدام إصبعي الإبهام لتقليل الضوضاء الخارجية والتركيز على الصوت الداخلي.
- خذ نفسًا عميقًا واملأ رئتيك تمامًا ثم أخرج الزفير ببطء مع ترديد صوت همهمة منخفض وعميق يشبه صوت طنين النحلة ويبدو مثل “مممممم”، مع مراعاة أن يكون الصوت سلسًا وثابتًا ومتواصلًا.
- انتبه وركز على إحساس التنفس والذبذبات الصوتية ولاحظ كيف تنتقل عبر جسمك لتهدئة عقلك.
- استمر في أخذ نفس عميق وزفير مع إصدار صوت دندنة 5 إلى 10 جولات أو حتى تشعر بالراحة. وبعد الانتهاء، اجلس بهدوء للحظات، ولاحظ الأحاسيس في جسدك والهدوء في ذهنك قبل معاودة أنشطتك اليومية.
بهذه الطريقة، توفر الدندنة وسيلة بسيطة وسهلة لاستعادة التوازن. ورغم أنها لا تغني عن الرعاية الطبية المتخصصة عند الحاجة، فإنها قد تكون عادة داعمة تساعد على إدارة التوتر وتحسين التركيز وتسهيل النوم. كما أن سر تأثيرها يكمن في الاستمرارية لا في طول مدة الجلسة، وسواء دندنت لدقيقة واحدة أو 10 دقائق، فإن كل نفس يذكرك بأن الهدوء متاح ويبدأ دائمًا من داخلنا. جرب هذه التقنية البسيطة اليوم واستمتع بفوائدها المذهلة!


