تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران بوتيرة متسارعة، مع توقعات بـ تصعيد أمريكي ضد إيران وشيك، تتراوح بين حرب سيبرانية محدودة وخيارات عسكرية أكثر جدية. يأتي هذا في ظل استمرار الاحتجاجات الشعبية في إيران، ودعوات متزايدة من واشنطن للإيرانيين للسيطرة على مؤسسات الدولة. هذه التطورات تثير تساؤلات حول مستقبل إيران، واحتمالية تدخل خارجي، وتداعيات ذلك على المنطقة والعالم.
تطورات الأزمة: من التصريحات إلى التهديدات الفعلية
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إلغاء جميع الاجتماعات المقررة مع المسؤولين الإيرانيين، وذلك رداً على استمرار “قتل المتظاهرين” الإيرانيين. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل دعا ترامب الشعب الإيراني إلى مواصلة الاحتجاجات، والسيطرة على مؤسسات الدولة، معبراً عن رغبته في رؤية إيران “عظيمة مجدداً”. هذا التصريح، الذي يعتبر تصعيداً لافتاً، أثار جدلاً واسعاً حول نوايا الإدارة الأمريكية الحقيقية.
وبالفعل، تشير التقارير إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس بجدية خيارات متعددة للرد على الأوضاع في إيران. مسؤول أمريكي صرح لـ الجزيرة أن ترامب سيعقد اجتماعاً مع فريقه للأمن القومي لمناقشة هذه الخيارات، بما في ذلك الخيارات العسكرية. هذا يؤكد أن التهديدات الأمريكية لم تعد مجرد كلام، بل تتحول إلى خطوات عملية ملموسة.
سيناريوهات التصعيد المحتملة: من الفضاء السيبراني إلى الضربات العسكرية
وفقاً لتحليلات خبراء السياسة الدولية، فإن البنتاغون قدم بالفعل إحاطات تتضمن مجموعة واسعة من الخيارات المتاحة للتعامل مع إيران. هذه الخيارات تتجاوز مجرد التصريحات، وتشمل:
الهجمات السيبرانية
تعتبر الهجمات السيبرانية من أكثر الخيارات المطروحة، حيث يمكن استخدامها لتعطيل المواقع الحكومية الإيرانية، أو حتى لتوفير وصول مفتوح للإنترنت للمتظاهرين، مما يتيح لهم التواصل وتنظيم الاحتجاجات بشكل أفضل. هذا الخيار يعتبر أقل خطورة من الخيارات العسكرية، ولكنه قد يكون فعالاً في إضعاف قدرة النظام الإيراني على السيطرة على المعلومات.
الاستهدافات العسكرية المباشرة
يشمل هذا الخيار استهداف البنية التحتية العسكرية الإيرانية، مثل برامج الصواريخ والمسيّرات، بالإضافة إلى ضرب الأجهزة الأمنية المتورطة في قمع الاحتجاجات. هذا السيناريو يحمل مخاطر عالية، وقد يؤدي إلى تصعيد عسكري شامل في المنطقة.
دعم وتفعيل المعارضة
بالإضافة إلى الخيارات العسكرية والسيبرانية، هناك احتمال لدعم وتفعيل المعارضة الإيرانية، سواء من خلال تقديم الدعم المالي أو اللوجستي، أو من خلال توفير منصة إعلامية لها. هذا الخيار يهدف إلى إضعاف النظام الإيراني من الداخل، ولكنه قد يستغرق وقتاً طويلاً لتحقيق النتائج المرجوة.
هل ستؤدي الدعوات إلى السيطرة على مؤسسات الدولة إلى فوضى؟
يرى جيمس روبنز، كبير الباحثين في المجلس الأمريكي للسياسة الخارجية، أن على المحتجين الإيرانيين الانتقال من مجرد “رفع الصوت” إلى “تنظيم الصفوف” والسيطرة على المرافق الحكومية، بدءاً من البلدات الصغيرة وصولاً إلى طهران. هذا، بحسب روبنز، سيفرض واقعاً سياسياً جديداً، ويضع النظام الإيراني أمام خيارين: إما الاستجابة لمطالب الشعب، أو مواجهة عواقب وخيمة.
ومع ذلك، حذرت الدكتورة روكسان فارمان فارميان، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة كامبريدج، من خطورة هذا التوجه. واعتبرت دعوات السيطرة على مؤسسات الدولة بمثابة “وصفة لفوضى أوسع”، مشيرة إلى أن غالبية الإيرانيين يخشون انعدام الاستقرار ويرفضون التدخل الخارجي. واستشهدت بأحداث السادس من يناير 2021 في واشنطن كدليل على أن اقتحام المؤسسات ليس حلاً سديداً، مؤكدة أن الإيرانيين لا يريدون رؤية بلادهم تتحول إلى ساحة صراع شبيهة بسوريا أو أفغانستان.
موقف ترامب من الانتقادات الدولية
وفقاً لرؤية روبنز التحليلية، فإن الرئيس ترامب لن يتأثر بالانتقادات الدولية، خاصة الروسية منها. فهو يضع “المصالح الأمريكية” و”تغيير سلوك النظام الإيراني” كأولوية قصوى في المرحلة المقبلة. هذا يعني أن ترامب قد يتخذ إجراءات صارمة ضد إيران، حتى لو أثارت هذه الإجراءات غضب المجتمع الدولي. الخلاصة هي أن تصعيد أمريكي ضد إيران يبدو مرجحاً إذا استمر النظام في قمع الاحتجاجات.
مستقبل إيران: بين التغيير والفوضى
الوضع في إيران معقد للغاية، ويحمل في طياته العديد من المخاطر والتحديات. التدخل الأمريكي في إيران، بأي شكل من الأشكال، قد يؤدي إلى تصعيد عسكري شامل، أو إلى اندلاع حرب أهلية، أو إلى تفكك الدولة. من ناحية أخرى، قد يؤدي استمرار الاحتجاجات الشعبية إلى تغيير سلمي في النظام، وإلى بناء إيران جديدة، أكثر ديمقراطية وازدهاراً.
يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن الولايات المتحدة والإيرانيون من إيجاد حل سلمي للأزمة، أم أن المنطقة ستنزلق نحو حرب جديدة؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مستقبل إيران، ومستقبل المنطقة بأكملها. من الضروري متابعة التطورات على الأرض، وتحليل المواقف المتضاربة، لفهم الصورة الكاملة للأزمة، وتوقع السيناريوهات المحتملة. الأزمة الإيرانية تتطلب حكمة وروية، وتجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى كارثة إنسانية.


