في السنوات الأخيرة، شهدت الأبحاث المتعلقة بالشيخوخة الصحية تطورات مثيرة، حيث لم يعد التركيز مقتصراً على إطالة العمر فحسب، بل على تحسين جودة الحياة في سنوات التقدم. ففي عام 2007، لفت فريق بحثي في كاليفورنيا الانتباه إلى ظاهرة مدهشة: بينما يعاني غالبية كبار السن من أمراض مزمنة، هناك نسبة منهم تصل إلى الثمانينيات والتسعينيات وهي تتمتع بصحة جيدة وحيوية. هذا المقال يستكشف مفهوم العمر الصحي، وكيف يمكننا جميعًا السعي لتحقيق حياة أطول وأكثر صحة، مستندين إلى أحدث الاكتشافات العلمية.

من “المسنون الأصحاء” إلى “المسنين الخارقين”: رحلة الاكتشاف

بدأت القصة مع ملاحظة بسيطة: بعض كبار السن يتمتعون بصحة أفضل بكثير من أقرانهم. لم يجد الدكتور إريك توبول وفريقه، في دراساتهم الرائدة، اختلافات بيولوجية كبيرة بين كبار السن الأصحاء وغير الأصحاء، باستثناء أن المجموعة الأولى كانت أكثر نشاطًا بدنيًا واجتماعيًا، وغالبًا ما تتمتع بمستويات تعليم أعلى. وهكذا ظهر مصطلح “المسنون الأصحاء”.

ولكن الأمر لم يتوقف هنا. بعد أقل من عقد، أطلق باحثون في جامعة نورث وسترن مصطلح “المسنين الخارقين” (SuperAgers) على أولئك الذين تجاوزوا الثمانين عامًا واحتفظوا بقدرات ذهنية تضاهي ذاكرة أشخاص أصغر منهم بثلاثة عقود. هذا الاكتشاف أثار فضول العلماء، وسرعان ما تبين أن أدمغتهم تختلف بشكل ملحوظ عن أدمغة الآخرين في نفس الفئة العمرية، حيث تبدو أقرب إلى أدمغة الشباب.

ما الذي يميز أصحاب العمر الصحي؟

في عام 2016، أكد الخبراء أن هؤلاء “المسنين الخارقين” ليسوا مجرد محظوظين، بل يمتلكون خصائص مميزة على مستوى الدماغ. أظهرت الأبحاث أن أدمغتهم تحتفظ بحجم أكبر وتقل فيها علامات التدهور المرتبطة بالتقدم في العمر. وفي عام 2023، أضافت دراسة أخرى من مركز نورث وسترن للطب بُعدًا جديدًا، حيث وجدت أن كبار السن الذين يتمتعون بلياقة بدنية وعقلية عالية يعانون من انخفاض أقل في حجم الدماغ مقارنة بأولئك الذين يقتصر تميزهم على طول العمر.

تؤكد تامار غيفين، أستاذة علم الأعصاب الإدراكي، أن الشيخوخة الصحية ليست نتيجة لعامل واحد، بل هي مزيج معقد من العوامل البيولوجية والبيئية والقدرات الشخصية. لا توجد وصفة سحرية، ولكن هناك استراتيجيات يمكن أن تساعدنا في السعي نحو حياة أطول وأكثر صحة. وتضيف جينيفر أيلشير، أستاذة علم الشيخوخة، أن تعريف الحياة الطويلة والمعمرة بشكل استثنائي يتجاوز مجرد الوصول إلى عمر معين، ليشمل الحفاظ على مستوى عالٍ من الصحة البدنية والمعرفية والنفسية والاجتماعية.

خمس استراتيجيات لتحقيق العمر الصحي

إليك خمس استراتيجيات رئيسية، مدعومة بالأبحاث العلمية، للمساعدة في تعزيز الصحة في الشيخوخة:

1. النشاط البدني: مفتاح الحيوية

تعتبر ممارسة الرياضة وتجنب الخمول من أهم الركائز الأساسية لنمط حياة “المسنين الخارقين”. تشير الدراسات إلى أن الحركة اليومية، حتى البسيطة منها مثل البستنة أو الأعمال المنزلية، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالشيخوخة الصحية وإطالة العمر. ويؤكد الدكتور توبول أن “كلما ازدادت قوة الجسم كان ذلك أفضل”، فالنشاط البدني يقلل من مخاطر الإصابة بالسرطان والاكتئاب والسكري، ويحسن الصحة العامة. حتى ساعة واحدة من تمارين المقاومة أسبوعيًا يمكن أن تقلل من خطر الوفاة بنحو 25%.

2. الحياة الاجتماعية: وقود الروح

الحياة الاجتماعية النشطة ليست مجرد مصدر للمتعة، بل هي ضرورة صحية. الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات اجتماعية قوية يكونون أقل عرضة للإصابة بالأمراض والوفاة. ويؤكد الدكتور توبول أن كبار السن الأصحاء يتميزون بـ”حياة اجتماعية غنية”. المشاركة في الأنشطة الاجتماعية، سواء من خلال قضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء، أو التطوع، أو التفاعل المهني، تساهم في تعزيز الصحة النفسية والجسدية.

3. إدارة التوتر: حماية العقل والجسم

التحكم في التوتر وتعزيز الصحة النفسية أمران حاسمان في تقليل مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة. يمكن لتبني خطوات بسيطة، مثل قضاء وقت أطول في الهواء الطلق والمساحات الخضراء، أن يساهم في خفض مستويات التوتر. من المهم أيضًا الحفاظ على توازن الدماغ والجسم من خلال تقليص مصادر التوتر غير الضرورية وتجنب الانخراط في مشكلات الآخرين.

4. النوم والتغذية: أساسيات الصحة

الالتزام بمواعيد نوم منتظمة وتناول غذاء صحي هما أساسان للصحة الجيدة في جميع مراحل الحياة، وخاصة في الشيخوخة. تشير الدراسات إلى أن اضطراب أنماط النوم يرتبط بزيادة خطر الوفاة، بينما يؤكد الدكتور توبول أن النوم العميق يلعب دورًا محوريًا في الشيخوخة الصحية. اتباع نظام غذائي قريب من حمية البحر الأبيض المتوسط، الغني بالخضروات والفواكه والأسماك وزيت الزيتون، يوصى به بشدة لتعزيز طول العمر.

5. التحفيز العقلي: الحفاظ على حدة الذهن

لا يوجد عمر متأخر لتعلم شيء جديد أو ممارسة أنشطة تنمي القدرات المعرفية. التحفيز الذهني عنصر أساسي في الشيخوخة الصحية. يمكن تنشيط العقل من خلال القراءة، وحل الألغاز، وتعلم لغة جديدة، أو أي نشاط آخر يثير الاهتمام ويحفز التفكير. المهم هو اختيار الأنشطة التي تستمتع بها وتجدها محفزة.

في الختام، تحقيق العمر الصحي ليس مجرد حلم، بل هو هدف واقعي يمكننا جميعًا السعي إليه من خلال تبني نمط حياة صحي ومتوازن. من خلال النشاط البدني، والحياة الاجتماعية، وإدارة التوتر، والنوم الجيد، والتغذية الصحية، والتحفيز العقلي، يمكننا زيادة فرصنا في عيش حياة أطول وأكثر صحة وسعادة. ابدأ اليوم في اتخاذ خطوات صغيرة نحو مستقبل أكثر صحة، واستلهم من قصص “المسنين الخارقين” الذين يثبتون لنا أن الشيخوخة يمكن أن تكون حقًا فترة ازدهار وحيوية.

شاركها.
اترك تعليقاً