مع حلول ليالي شهر رمضان المبارك، تتجه أنظار المسلمين في العراق، وخاصة أهل السنة والجماعة، نحو المساجد لإحياء صلاة التراويح، التي تمثل إحدى أبرز وأجمل مظاهر العبادة في هذا الشهر الفضيل. تشكل هذه الليلة فرصة عظيمة للتضرع إلى الله وتقوية الصلة به، وتجدد الإيمان في قلوب المؤمنين. تقام الصلاة بعد صلاة العشاء في مختلف الجوامع، حيث تتحول المساجد، ولا سيما الكبيرة منها، إلى نقاط تجمع رئيسية تستقبل أعداداً كبيرة من المصلين، في أجواء روحانية تعمها السكينة والخشوع.
صلاة التراويح في العراق: تجدد إيماني واجتماعي
تعتبر صلاة التراويح في العراق أكثر من مجرد فريضة دينية؛ إنها تقليد اجتماعي وثقافي راسخ، يجمع العائلات والأصدقاء والجيران في رحاب المساجد. تزدان المساجد بالزينة والإضاءة، وتتلى آيات القرآن الكريم بصوت خاشع، مما يخلق جواً إيمانيا فريداً. هذا العام، ومع تخفيف القيود المتعلقة بجائحة كوفيد-19، يشهد الإقبال على المساجد زيادة ملحوظة، مما يعكس شوق الناس إلى العودة إلى الحياة الطبيعية وإحياء الشعائر الدينية بشكل جماعي.
جامع الإمام الأعظم: منارة دينية في بغداد
يأتي جامع الإمام أبي حنيفة النعمان، المعروف بجامع الإمام الأعظم، في مقدمة المساجد التي تشهد إقبالاً واسعاً خلال شهر رمضان في العاصمة بغداد. يقع الجامع في منطقة الأعظمية شمالي بغداد، ويضم مرقد الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت، مؤسس المذهب الحنفي، وهو أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية في المدينة.
دور الجامع في إحياء شهر رمضان
يستضيف الجامع مختلف المناسبات الدينية على مدار العام، إلا أن دوره يتضاعف خلال شهر رمضان. تقام فيه صلاة التراويح بحضور مئات المصلين يومياً، إلى جانب إحياء ليالي القدر. يقول إمام وخطيب الجامع، الشيخ الدكتور عبد الوهاب السامرائي، إن الجامع والحضرة الحنفية يعدان من أبرز المراكز الدينية في بغداد والعراق، حيث يضم مقر الفتوى (المجمع الفقهي العراقي) ويحتضن مجلس الرؤية الرسمي لهلال شهر رمضان. كما يشير إلى أن الجامع يشهد إقامة أكثر من ختمة للقرآن الكريم بعد صلاتي الفجر والظهر، بالإضافة إلى برنامج خاص لصلاة التراويح يستضيف نخبة من أئمة وحفاظ بغداد.
الفلوجة: مدينة المساجد تحتفي بالتراويح
بعيداً عن بغداد، تشتهر مدينة الفلوجة في محافظة الأنبار غربي العاصمة بـ “مدينة المساجد”. تضم المدينة عدداً من الجوامع الكبيرة، من أبرزها جامع الخلفاء الراشدين، وجامع المدلل، وجامع مكي الكبيسي. يعد جامع الخلفاء الراشدين من أكبر مساجد المدينة، حيث يتميز بمساحته الواسعة التي تتسع لنحو ألفي مصل.
جامع الخلفاء الراشدين: مركز حيوي في الفلوجة
يقع الجامع على الطريق الرئيسي للمدينة، ما يمنحه موقعاً حيوياً. يتولى إمامته الشيخ محمد سبتي الكبيسي، المعروف بصوته الجهوري وحسن الخطابة. يشير الشيخ الكبيسي إلى أن الجامع يشهد حضوراً كثيفاً خلال شهر رمضان من الرجال والنساء على حد سواء، ويستقطب مصلين من خارج المدينة نظراً لسعته الكبيرة. كما يتميز الجامع بجمال أصوات أئمته واحتضانه للجنة الفتوى في محافظة الأنبار.
تكريت والبصرة: إحياء التراويح في محافظات عراقية أخرى
في مدينة تكريت، قلب محافظة صلاح الدين شمالي بغداد، يحتشد مئات المصلين في الجامع الكبير لأداء صلاة التراويح. ويعد الجامع أيقونة معمارية للمدينة ومركزا دينيا وحضريا بارزا. أما في مدينة البصرة جنوبي البلاد، فيبرز جامع البصرة الكبير بوصفه أحد أشهر وأبرز جوامع أهل السنة، ويخضع لإدارة الوقف السني. يؤمه السنة والشيعة على حد سواء، نظراً لموقعه المركزي وسعته الكبيرة.
أهمية صلاة التراويح وفضلها
يؤكد الناطق الرسمي لدار الإفتاء العراقية، الشيخ عامر البياتي، أن صلاة التراويح سنة مؤكدة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتعد من شعائر شهر رمضان العظيمة. ويوضح أنها مستحبة للرجال والنساء، وأن أداءها في المسجد أعظم أجراً. ويستشهد البياتي بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”. تعد صلاة التراويح فرصة عظيمة لغفران الذنوب وتقوية الصلة بالله، وتعزيز الروابط الاجتماعية بين المسلمين.
في الختام، يمثل شهر رمضان في العراق تجسيداً حقيقياً للوحدة الإيمانية والاجتماعية، وصلاة التراويح هي أحد أبرز مظاهر هذا التجسيد. إن الإقبال المتزايد على المساجد خلال هذا الشهر الفضيل يعكس شوق العراقيين إلى العبادة والتقرب إلى الله، ويؤكد على أهمية الحفاظ على هذه الشعائر الدينية وتعزيزها للأجيال القادمة. ندعوكم لمشاركة هذا المقال مع أحبائكم، والتفاعل معه بآرائكم وتعليقاتكم.















