شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا ملحوظًا لمصطلح “لوكسماكسينغ” (Looksmaxxing) على وسائل التواصل الاجتماعي، ليصبح هذا المصطلح رمزًا لثقافة ذكورية جديدة تركز بشكل كبير على “تحسين المظهر” والسعي نحو الكمال الجسدي. هذا الاتجاه، الذي يكتسب شعبية متزايدة بين الشباب والمراهقين، يثير تساؤلات حول معايير الرجولة الحديثة وتأثيرها على الصحة النفسية والجسدية.

ما هو “لوكسماكسينغ” ولماذا ينتشر؟

“لوكسماكسينغ” ليس مجرد الاهتمام بالمظهر الخارجي، بل هو فلسفة تسعى إلى تحقيق “النموذج الأمثل للرجولة” من خلال سلسلة من الممارسات التي تتراوح بين العناية بالبشرة والتمارين الرياضية المكثفة، وصولًا إلى إجراءات تجميلية وحتى تدخلات طبية خطيرة. يشير جيسون فيرستين، خبير علم النفس، إلى أن هذا السعي يزداد انتشارًا في مرحلة يكتشف فيها الشباب هويتهم ويحاولون تحديد مكانهم في المجتمع.

تتجاوز مبيعات منتجات التجميل والعناية بالبشرة الرجالية حاجز الـ 5 مليارات دولار عالميًا بحلول عام 2027، مما يعكس الاهتمام المتزايد بالمظهر الخارجي. لكن هذا الاهتمام المفرط يثير مخاوف الخبراء من انتشار اضطراب تشوّه صورة الجسد، والقلق، واضطرابات الأكل، وحتى السلوكيات التي قد تؤدي إلى إيذاء النفس.

تحول نموذج الرجولة: من الوظيفة إلى الجسد

على مر القرن العشرين، ارتبطت الرجولة بشكل أساسي بالاستقرار الوظيفي والقدرة على إعالة الأسرة. لكن مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية السريعة، تآكل هذا النموذج التقليدي. فقد أصبحت فرص العمل أقل أمانًا، وصعد الذكاء الاصطناعي، وانتشرت الوظائف المؤقتة، مما زاد من صعوبة تحقيق الاستقرار المالي والاجتماعي.

في هذا السياق، برزت رؤية جديدة للرجولة تركز على “الجسد” كوسيلة لتعويض تراجع المكانة التقليدية. أصبح “الجسد المثالي” و”الرجل المهيمن” مفتول العضلات معيارًا جديدًا للنجاح والجاذبية. هذا التحول يعكس ضغوطًا اجتماعية متزايدة على الرجال لتقديم أنفسهم بطريقة معينة، خاصة في العصر الرقمي.

الجسد كمشروع تحسين مستمر: دور منصات التواصل

ساهمت منصات التواصل الاجتماعي بشكل كبير في ترسيخ فكرة أن الوجه والجسد هما “مشاريع” قابلة للقياس والتحسين المستمر. تنتشر مقاطع الفيديو والنصائح التي تشرح كيفية تحليل ملامح الوجه وتحديد “العيوب” المتصورة، وتقديم حلول لتحسينها. تتراوح هذه الحلول بين وصفات لزيادة الكتلة العضلية أو إنقاص الوزن، وصولًا إلى ممارسات غريبة وخطيرة مثل لصق اللسان بسقف الفم لتحديد الفك، أو النقر المتكرر على عظام الوجه للحصول على مظهر أكثر حدة.

هذه الممارسات، التي يحذر الخبراء من تبنيها، تعكس الهوس المتزايد بالمظهر الخارجي والرغبة في تحقيق الكمال الجسدي بأي ثمن. لوكسماكسينغ أصبح ظاهرة رقمية تشجع الشباب على مقارنة أنفسهم بالآخرين والسعي نحو معايير جمالية غير واقعية.

قصص من عالم “تحسين المظهر”

يقدم موقع “بي بي سي” نموذجًا لشاب يدعى لي مارفن، يقيّم مظهره بـ 7 من 10، ويعتقد أنه يمكنه الوصول إلى 9 من 10 إذا عالج بعض “العيوب” في بشرته وشكل فكه. يستخدم مارفن تطبيقات لتحليل الوجه وتحديد مناطق التحسين، ويتبع روتينًا مكثفًا للعناية الشخصية يتضمن تمارين رياضية مكثفة، وحمامات دافئة وباردة، وتمارين للفك والوجه. يوثق مارفن هذه الطقوس على “تيك توك” ويشاركها مع متابعيه البالغ عددهم 35 ألف شخص، معتقدًا أن “تحسين المظهر” يساعده في الوصول إلى “ذروة الرجولة”.

أما كلافيكولار، أحد أبرز المؤثرين في هذا المجال، فينسب مظهره إلى تناول هرمون التستوستيرون وكسر عظم فكه بمطرقة لإعادة تشكيله. هذه السلوكيات، التي يرفضها الأطباء بشدة، ساهمت في نشر ثقافة لوكسماكسينغ على نطاق واسع بين المراهقين والشباب.

متى يتحول “تحسين المظهر” إلى فخ نفسي؟

يرى جيسون فيرستين أن لوكسماكسينغ يشجع الشباب على روتين مكثف للعناية الشخصية قد يمتد إلى عمليات تجميل وتعديل جسدي جذري. ورغم ترويجه على أنه طريق لتحسين الذات، يصفه بأنه اتجاه سام ومؤذ، لأنه يجعل الشاب يسعى إلى شعور زائف بالجاذبية والقبول، ويدفعه إلى استثمار طاقته في الجسد بدافع من مشاعر النقص والدونية.

تحذر كريستين روبيرتي-برونينغ، اختصاصية اضطرابات الأكل، من أن انتشار مشاكل الصحة النفسية والشعور بالوحدة يزيد من قابلية الشباب للانخراط في هذه السلوكيات وما يرافقها من اضطراب صورة الجسد وسلوكيات مؤذية ذاتيًا. الاهتمام المفرط بالمظهر الخارجي يمكن أن يؤدي إلى القلق والاكتئاب وتدني احترام الذات.

تقبل الذات في عصر “الجسد المثالي”

يصبح “التطوير الذاتي” ضارًا عندما يكون القلق هو الدافع الأساسي، وحين تستحوذ طقوس العناية بالمظهر على جزء كبير من الوقت والانتباه، بحيث تعيق حضور الشاب في حياته اليومية وعلاقاته. لذلك، من المهم التركيز على الاهتمام بالنفس من الداخل وجودة الحياة والعلاقات، بدلاً من الحصر في الصورة الخارجية للجسد.

لتعزيز تقبل الذات في عصر “الجسد المثالي”، يمكن اتباع النصائح التالية:

  • استخدام الإبداع للتعبير عن المشاعر.
  • متابعة حسابات تشجع على تقبل الجسد والرجولة الصحية.
  • قضاء وقت أكبر مع الأصدقاء والعائلة وبناء علاقات داعمة.

في الختام، لوكسماكسينغ هو اتجاه معقد يعكس ضغوطًا اجتماعية متزايدة على الرجال لتقديم أنفسهم بطريقة معينة. من المهم أن ندرك مخاطر هذا الاتجاه وأن نشجع الشباب على التركيز على الصحة النفسية والجسدية، وتقبل الذات، وبناء علاقات صحية، بدلاً من السعي نحو الكمال الجسدي غير الواقعي. الجمال الحقيقي يكمن في الثقة بالنفس والرضا عن الذات، وليس في المظهر الخارجي.

شاركها.
اترك تعليقاً