إذا كان بإمكانك المشي لمدة ساعة، أو ركوب دراجتك وقطع نفس المسافة في غضون 15 دقيقة دون بذل أي جهد إضافي، فالأفضل أن تختار الخيار الثاني”، وفقًا لما ينصح به الدكتور أنتوني بلازيفيتش، أستاذ الميكانيكا الحيوية، بجامعة إديث كوان الأسترالية، في مقاله المنشور على موقع “ذا كونفرزيشن”. فالتقديرات تشير إلى وجود أكثر من مليار دراجة هوائية تجري في كوكبنا، مقابل حوالي 1.5 مليار سيارة، وهو ما يعني أن كثيرين يفضلون هذا الخيار الصديق للبيئة والصحة. ركوب الدراجة الهوائية ليس مجرد وسيلة تنقل، بل هو أحد أكثر وسائل النقل كفاءة في استخدام الطاقة على الإطلاق، مما يسمح للبشر بالتحرك أسرع ولمسافات أطول، مع استهلاك طاقة أقل من المشي أو الجري.
لماذا ركوب الدراجة الهوائية أسهل من المشي؟
لكن لماذا يبدو ركوب الدراجة الهوائية أسهل وأكثر متعة من المشي؟ يجيب الدكتور بلازيفيتش بأن السر يكمن في “الميكانيكا الحيوية الأنيقة” التي تدير تفاعل أجسامنا مع هذه الآلة ذات العجلتين، و”البسيطة بشكل رائع”. عندما نمشي أو نركض، فإننا نبذل جهدًا كبيرًا لتحريك وزن الجسم ضد الجاذبية، بينما تستخدم الدراجة الهوائية مبادئ فيزيائية تقلل من هذا الجهد بشكل ملحوظ. هذا يجعلها خيارًا ممتازًا للعديد من الأشخاص، خاصةً أولئك الذين يبحثون عن بدائل رياضية أقل إرهاقًا.
الدراجة الهوائية: تصميم عبقري
الدراجة الهوائية تبدو بسيطة للوهلة الأولى: عجلتين، دواسات، سلسلة حديدية، وتروس. لكن هذه البساطة تخفي وراءها هندسة متقنة تتناغم مع وظائف الجسم البشري. عند المشي أو الجري، نميل إلى الأمام للحفاظ على التوازن، ونقوم بتأرجح الأرجل في أقواس واسعة لرفع أطرافنا الثقيلة. هذه الحركة، على الرغم من طبيعتها، تستهلك كمية كبيرة من الطاقة. تخيل كم سيكون الأمر مُرهقًا لو تأرجحت ذراعيك باستمرار لمدة ساعة!
في المقابل، عندما نركب الدراجة الهوائية، تتحرك أقدامنا في حركة دائرية أصغر بكثير. نحن ببساطة ندير فخذينا وساقينا مع دورة الدواسة، بدلًا من تأرجح وزن الساق بالكامل مع كل خطوة. هذه الحركة الدائرية أكثر كفاءة، وتقلل بشكل كبير من الجهد المطلوب.
كفاءة الطاقة: الدراجة الهوائية تتفوق
يُعد ركوب الدراجة الهوائية من أكثر أشكال الحركة البشرية كفاءة في استهلاك الطاقة وحرق السعرات الحرارية. وفقًا لموقع “بيدال تشيلي” المتخصص في شؤون الدراجات، فإن حوالي 98.6% من الجهد المبذول أثناء ركوب الدراجة يُوجّه مباشرة إلى الدواسة لتحريك العجلات ودفع الجسم إلى الأمام.
أما أثناء المشي أو الهرولة، فإن أكثر من ثلث الطاقة تُهدر في حركات لا تساهم فعليًا في التقدم الأمامي، مثل:
- انثناء ركبة الساق المرتكزة على الأرض مع كل خطوة.
- انحناء العمود الفقري.
- الارتفاع والانخفاض المستمران للجسم أثناء الحركة.
- التواء الوركين.
- حركة الذراعين المتكررة إلى الأمام والخلف.
- فقدان جزء من الطاقة عند تأرجح الساق غير الثابتة واصطدام القدم بالأرض.
يؤكد بلازيفيتش أن “المكاسب الحقيقية تكمن في قدرة الدراجة على تحويل معظم الجهد إلى حركة أمامية سلسة”. فالمشي والجري يتضمنان اصطدامًا متكررًا للأرض، مما يؤدي إلى تبديد الطاقة في صورة صوت وحرارة.
العجلات: سر السلاسة وتوفير الطاقة
تُعد العجلات من أعظم الاختراعات البشرية في تقليل فقدان الطاقة أثناء الحركة. إنها تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في اصطدام القدمين بالأرض أثناء المشي أو الجري. بدلًا من هذا الاصطدام المتكرر، تدور العجلات بسلاسة وتتدحرج لتلامس سطح الطريق عموديًا وبرفق، من دون كبح متقطع. هذا يسمح بتحويل قوة الدواسة إلى حركة مباشرة نحو الأمام بكفاءة عالية.
بالإضافة إلى ذلك، تساعد تروس الدراجة الهوائية العضلات على العمل ضمن نطاقها الأمثل. كلما زادت السرعة، يمكننا التبديل إلى ترس أعلى، بحيث لا تضطر العضلات إلى العمل بوتيرة أسرع مع تسارع الدراجة.
متى يكون المشي أفضل؟
على الرغم من كفاءة ركوب الدراجة الهوائية، إلا أنها ليست الخيار الأفضل في جميع الحالات. قد يتفوق المشي أحيانًا، لا سيما عند صعود التلال المرتفعة. في هذه الظروف، تبذل الساقان جهدًا كبيرًا لإنتاج طاقة كافية عبر حركة الدواسة الدائرية، لرفع وزن الجسم والدراجة معًا إلى الأعلى.
ويؤكد بول فان دين بوش، المؤلف ومدرب الدراجات المعروف، أن المشي صعودًا يعد أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 35% مقارنة بركوب الدراجة على المنحدر نفسه. أما عند النزول من المنحدرات، فيصبح ركوب الدراجة أسهل ولا يتطلب جهدًا يذكر، بينما يكون المشي أكثر صعوبة.
الدراجة الهوائية: أكثر من مجرد وسيلة نقل
في الختام، يوضح بلازيفيتش أن ركوب الدراجة الهوائية على أرض مستوية وخالية من الرياح يمكن أن يكون أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة بنحو 4 مرات مقارنة بالمشي، وبما يصل إلى 8 مرات مقارنة بالجري. بفضل تصميمها الذكي، لا تقتصر الدراجة الهوائية على كونها وسيلة تنقل فحسب، بل تتحول إلى “آلة متكاملة” تعمل بتناغم مع جسم الإنسان، لتحويل قوة العضلات إلى حركة أمامية فعّالة بأقل قدر ممكن من الهدر. لذا، في المرة القادمة التي تفكر فيها في المشي لمسافة طويلة، فكر في ركوب دراجتك – قد تكون هذه هي الطريقة الأكثر ذكاءً وفعالية للوصول إلى وجهتك.















