في خطوة تعكس عمق العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، استضافت الرياض اجتماعاً مهماً لفريق الأمانة العامة لمجلس التنسيق الأعلى السعودي المصري. هذا الاجتماع، الذي يمثل محطة حاسمة في مسيرة التعاون الثنائي، يأتي في إطار الاستعدادات المكثفة لعقد الاجتماع الأول للمجلس، والذي يُنتظر أن يشكل نقطة تحول في تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
تأسيس مجلس التنسيق السعودي المصري: إطار مؤسسي للتعاون
يعود الإعلان عن تأسيس مجلس التنسيق السعودي المصري إلى “إعلان القاهرة” التاريخي، الذي وقعه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي. هذا الإعلان لم يكن مجرد اتفاقية عابرة، بل كان تتويجاً لمسيرة طويلة من العلاقات الأخوية والمصالح المشتركة التي تربط الشعبين والقيادتين.
يهدف المجلس إلى وضع إطار مؤسسي متين ومنظم للعلاقات الثنائية، وتعميقها في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية. كما يهدف إلى تفعيل آليات التعاون المشترك، وتذليل العقبات التي تواجه الاستثمارات والتبادل التجاري بين البلدين.
جهود تحضيرية مكثفة لانعقاد الاجتماع الأول
ترأس الاجتماع التحضيري من الجانب السعودي المهندس فهد بن سعيد الحارثي، ومن الجانب المصري السفير إيهاب فهمي، وبحضور مسؤولين رفيعي المستوى من كلا البلدين. ركز الاجتماع على استعراض شامل للجهود التحضيرية والتنظيمية، بما في ذلك آليات تنسيق أعمال المجلس ولجانه المتخصصة.
تم خلال الاجتماع تقديم عرض مرئي مفصل حول الهيكل التنظيمي للمجلس، وكيفية عمل اللجان المختلفة، والجدول الزمني المتوقع لعقد الاجتماعات المستقبلية. كما تمت مناقشة الجوانب الإجرائية والتنظيمية التي تضمن سير العمل بكفاءة وفعالية، وتحقيق الأهداف المرجوة في أسرع وقت ممكن.
أهمية استراتيجية للمملكة ومصر
تستند العلاقات السعودية المصرية إلى ركائز قوية من التاريخ المشترك والمصالح المتبادلة. تمثل المملكة العربية السعودية ومصر عمودين أساسيين في العالمين العربي والإسلامي، ولعبتا دوراً محورياً في الحفاظ على استقرار المنطقة وأمنها على مر العقود.
تتمتع المملكتان بثقل سياسي واقتصادي كبير، مما يجعلهما شريكين استراتيجيين في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية. كما أن لديهما رؤى متقاربة حول العديد من القضايا الهامة، مما يسهل عملية التنسيق المشترك وتبني مواقف موحدة.
التكامل الاقتصادي ورؤية 2030
يشكل التكامل الاقتصادي أحد أهم أهداف مجلس التنسيق الأعلى. يهدف المجلس إلى زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين، وتشجيع الاستثمارات المشتركة في قطاعات حيوية مثل الطاقة، والتكنولوجيا، والسياحة، والبنية التحتية.
يتماشى هذا الهدف مع رؤية المملكة 2030 ورؤية مصر 2030، اللتين تهدفان إلى تنويع مصادر الدخل، وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام، وتحسين مستوى معيشة المواطنين. ومن المتوقع أن يساهم المجلس في تحقيق هذه الأهداف من خلال خلق فرص عمل جديدة، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز القدرة التنافسية للبلدين.
التأثير المتوقع على الصعيدين الإقليمي والدولي
من المتوقع أن يكون لتفعيل أعمال مجلس التنسيق السعودي المصري تأثيرات إيجابية واسعة النطاق على الصعيدين الإقليمي والدولي. على الصعيد الإقليمي، سيعزز المجلس من قدرة البلدين على تنسيق المواقف السياسية والأمنية تجاه التحديات المشتركة، مثل مكافحة الإرهاب والتطرف، والعمل على إيجاد حلول سياسية للأزمات الإقليمية.
أما على الصعيد الدولي، فسيمنح هذا التنسيق الوثيق البلدين صوتاً أقوى في المحافل الدولية، ويعزز من قدرتهما على التأثير في القرارات التي تمس مصالح المنطقة. كما سيعزز من مكانتهما كشريكين موثوقين في المجتمع الدولي.
آفاق مستقبلية للشراكة المتكاملة
أكد مساعدا الأمين العام من الجانبين خلال الاجتماع على حرص قيادتي البلدين على تحقيق مخرجات نوعية وملموسة من أعمال المجلس. إن هذا الحرص يعكس الإيمان بأهمية المجلس كآلية استراتيجية لتطوير وتنظيم التعاون بين المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية.
إن الشراكة الاستراتيجية بين الرياض والقاهرة ليست مجرد تعاون بين دولتين، بل هي استثمار في مستقبل المنطقة بأكملها. ومن خلال العمل المشترك والتنسيق الوثيق، يمكن للمملكة ومصر أن تلعبا دوراً رائداً في تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة.
إن انعقاد الاجتماع الأول للمجلس يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق هذه الأهداف، ويفتح آفاقاً جديدة للشراكة المتكاملة والمستدامة بين البلدين الشقيقين. نتطلع إلى رؤية مخرجات ملموسة من هذا المجلس تعزز من مكانة المملكتين على الساحة الإقليمية والدولية.















