في خضم التوترات المستمرة في أوكرانيا، تتجه الأنظار نحو قمة باريس التي تهدف إلى صياغة ضمانات أمنية مستقبلية لكييف، وفي حال التوصل لاتفاق سلام، إنشاء نظام فعال لمراقبة الالتزام بـ وقف إطلاق النار. المسودة الأولية، المتداولة قبل القمة، تكشف عن دور محوري للولايات المتحدة ومساهمة كبيرة من الحلفاء الأوروبيين في حماية أوكرانيا من أي عدوان روسي مستقبلي.
تفاصيل مسودة الضمانات الأمنية لأوكرانيا
الوثيقة التي يجري التفاوض عليها حاليًا ترتكز على ثلاثة أعمدة رئيسية. أولاً، إنشاء آلية دولية لمراقبة وقف إطلاق النار، تقودها الولايات المتحدة وتستفيد من مساهمات دول “تحالف الراغبين”. هذه الآلية تهدف إلى ضمان تنفيذ أي اتفاق سلام بشكل كامل وشفاف، وتقليل احتمالات التصعيد من جديد.
ثانياً، تتعهد واشنطن بدعم “قوة متعددة الجنسيات تقودها أوروبا” ستنتشر داخل الأراضي الأوكرانية في حال نشوب أي صراع جديد. هذه القوة لن تكون مجرد قوة تدخل سريع، بل ستشكل رادعًا حيويًا لأي محاولة روسية لتقويض سيادة أوكرانيا.
ثالثاً، تقديم مساعدات عسكرية طويلة الأمد لأوكرانيا، مع التأكيد على أن الضمانات الأمنية تتضمن “التزامات ملزمة” في حال تعرض البلاد لهجوم مسلح. هذه الالتزامات قد تشمل استخدام القوة العسكرية، وتقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي، بالإضافة إلى مبادرات دبلوماسية مكثفة وفرض عقوبات اقتصادية إضافية على روسيا.
التحديات أمام الاتفاق والتزام موسكو
على الرغم من هذه الطروحات، يبقى التحدي الأكبر هو الحصول على موافقة قادة التحالف على هذه الضمانات، والأهم من ذلك، إقناع روسيا بقبولها. كييف تشدد باستمرار على حاجتها إلى ضمانات أمنية قوية، شبيهة بتلك التي يوفرها حلف شمال الأطلسي لأعضائه، لضمان عدم تكرار السيناريو الحالي.
من جهتها، تصر موسكو على أن أي اتفاق سلام نهائي يجب أن يتضمن التزامًا بمنع انضمام أوكرانيا إلى أي تحالفات عسكرية، وهو ما يمثل نقطة خلاف جوهرية مع كييف وحلفائها الغربيين. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال ملف الأراضي المتنازع عليها، وعلى رأسها شبه جزيرة القرم، يشكل عقبة رئيسية أمام أي تقدم حقيقي في المفاوضات. وتظهر المعطيات الحالية عدم وجود مرونة واضحة من الجانب الروسي لتقديم تنازلات جوهرية في هذا الصدد.
قمة باريس ومشاركة القادة الدوليين
يشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي شخصياً في قمة باريس، مؤكداً على أهمية هذه المحادثات في تعزيز أمن بلاده. وصرح زيلينسكي لدى وصوله إلى فرنسا بأن الهدف من القمة هو “توفير المزيد من الحماية والقوة لأوكرانيا”، معرباً عن ثقته بدعم الشركاء ووضع خطط تضمن “أمنًا حقيقيًا لشعبنا”.
وقد شهدت القمة وصول المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، إضافة إلى أكثر من 27 قائدًا عالميًا. هذه المشاركة الواسعة تعكس الأهمية التي توليها الدول الكبرى للأزمة الأوكرانية، ورغبتها في المساهمة في إيجاد حل دائم ومستدام. ويلعب التنسيق بين الولايات المتحدة وأوروبيا دورًا حاسمًا في محاولة الوصول إلى اتفاق يقبل به الطرفان.
مسار المفاوضات والسيناريوهات المحتملة
شهدت المحادثات الرامية إلى إنهاء النزاع تسارعًا ملحوظًا منذ نوفمبر الماضي، إلا أن النتائج الملموسة لا تزال محدودة. وتشير التقارير إلى أن كييف قد ضغطت لإدخال تعديلات على مقترح أمريكي كان يميل في البداية إلى تلبية بعض المطالب الروسية الرئيسية.
وفي خطابه المتلفز، أكد زيلينسكي أن بلاده “ستستعد لكلا السيناريوهين: الدبلوماسية التي نعمل عليها، أو مواصلة الدفاع النشط إذا تبيّن أن ضغط الشركاء على روسيا غير كافٍ”. وأضاف أن أوكرانيا “تريد السلام”، لكنها لن تتنازل عن سيادتها وأمنها. هذا التصريح يعكس التزام أوكرانيا بالسعي إلى حل سلمي، مع الاستعداد في الوقت نفسه لمواجهة أي تطورات سلبية.
مستقبل الضمانات الأمنية و وقف إطلاق النار
إن نجاح قمة باريس في صياغة ضمانات أمنية قوية ومقبولة من جميع الأطراف سيمثل خطوة حاسمة نحو إنهاء الأزمة الأوكرانية. ومع ذلك، يبقى الطريق طويلاً ومليئًا بالتحديات. تحقيق وقف إطلاق النار دائم يتطلب ليس فقط التوصل إلى اتفاق سياسي، بل أيضًا بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراع.
بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون الضمانات الأمنية قابلة للتطبيق وفعالة، وأن توفر لأوكرانيا الحماية اللازمة من أي عدوان مستقبلي. هذا يتطلب التزامًا طويل الأمد من قبل الدول الضامنة، وتوفير الموارد اللازمة لتنفيذ هذه الضمانات. الوضع الراهن يتطلب أيضًا استمرار الدعم الدولي لأوكرانيا، سواء من خلال المساعدات الإنسانية أو الاقتصادية أو العسكرية. الأمن الإقليمي و الاستقرار الأوروبي يعتمدان بشكل كبير على التوصل إلى حل شامل ودائم للأزمة الأوكرانية.















