في خضم التطور الرقمي المتسارع، تتصاعد التوترات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول تنظيم الفضاء الرقمي. هذه التوترات، التي تتعلق بشكل أساسي بـ القواعد الرقمية وحماية المستخدمين، أصبحت محور نقاشات مكثفة بين الجانبين. نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، هينا فيرككونن، أكدت على ضرورة التعامل مع هذه الخلافات باحترام، مع التأكيد على التزام أوروبا ببيئة رقمية آمنة وعادلة.

الخلافات حول القواعد الرقمية: دعوة إلى الاحترام المتبادل

أكدت فيرككونن، خلال برنامج “The Europe Conversation” على قناة يورونيوز، أن الخلافات حول القواعد الرقمية لا ينبغي أن تتحول إلى مواجهة بين الديمقراطيات. وأوضحت أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، كدولتين ديمقراطيتين وحليفتين، قادرتان على معالجة هذه الاختلافات بطريقة بناءة ومحترمة. هذا التصريح يأتي في وقت يشهد تصاعدًا في الانتقادات الموجهة للاتحاد الأوروبي من قبل بعض الجهات الأمريكية، التي تعتبر خطواته الرامية إلى تنظيم عمالقة التكنولوجيا الأمريكية بمثابة تمييز غير مبرر.

تحقيق في “Grok” و”X”: تطبيق قانون الخدمات الرقمية

تصريحات فيرككونن جاءت بالتزامن مع إطلاق المفوضية الأوروبية تحقيقًا رسميًا في روبوت الدردشة الذكي “Grok” التابع لمنصة “X” (تويتر سابقًا) المملوكة لإيلون ماسك. التحقيق يتعلق بمخاوف بشأن فشل المنصة في منع إنشاء صور جنسية صريحة لأشخاص حقيقيين، بما في ذلك الأطفال، دون موافقتهم.

قانون الخدمات الرقمية (DSA) وتداعياته

إذا ثبت أن “X” انتهكت قواعد منصات الإنترنت بموجب قانون الخدمات الرقمية (DSA)، فقد تواجه الشركة غرامة تصل إلى 6% من إيراداتها السنوية العالمية. هذا القانون، الذي يهدف إلى تنظيم الفضاء الرقمي في أوروبا، يفرض على المنصات التزامات صارمة لحماية المستخدمين ومكافحة المحتوى غير القانوني. المفوضية الأوروبية حاليًا تقوم بجمع الأدلة من “X” و”Grok” لتقييم مدى التزامهم بالقانون.

ردود الفعل الأمريكية وانتقادات الاتحاد الأوروبي

الحكومة الأمريكية أعربت مرارًا عن استيائها من خطوات الاتحاد الأوروبي، واعتبرتها محاولات “تمييزية” لقمع وجهات النظر الأمريكية. وقد رفضت إدارة ترامب في السابق منح تأشيرات دخول لمسؤولين أوروبيين بارزين، بما في ذلك تييري بروتون، المفوض الأوروبي السابق، بسبب دورهم في جهود الاتحاد لمكافحة خطاب الكراهية والتضليل عبر الإنترنت.

فيركونن ردت على هذه الانتقادات بالتأكيد على أن أي شركة، سواء كانت أمريكية أو آسيوية أو أوروبية، يجب أن تلتزم بالقواعد عند ممارسة أعمالها في أوروبا. هذا المبدأ يهدف إلى ضمان تكافؤ الفرص وحماية المستخدمين الأوروبيين بغض النظر عن أصل الشركة.

حظر وسائل التواصل الاجتماعي للقاصرين: نقاش أوروبي متصاعد

في سياق منفصل، تطرقت فيرككونن إلى النقاش الدائر في أوروبا حول حظر وسائل التواصل الاجتماعي للقاصرين، خاصةً أولئك الذين تقل أعمارهم عن 15 عامًا. فرنسا تقود هذه الجهود، حيث أيدت الجمعية الوطنية الفرنسية مشروع قانون يحظر على الأطفال والمراهقين دون سن 15 عامًا استخدام هذه المنصات.

أهمية التحقق من العمر والأدوات المناسبة

فيركونن لم تعرب عن تأييد صريح للحظر، بل شددت على أهمية وجود أدوات فعالة للتحقق من العمر لتطبيق مثل هذه الإجراءات. وأشارت إلى أن العديد من الأطفال الصغار لديهم بالفعل حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، وأن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تناقش حاليًا تحديد السن المناسب لاستخدام هذه المنصات. التركيز الحالي، وفقًا لفيركونن، هو على تحميل المنصات الرقمية مسؤولية ضمان سلامة وأمن وخصوصية القُصّر.

موجة من الإجراءات في أوروبا: فرنسا والدنمارك في المقدمة

التشريع الفرنسي يأتي ضمن موجة من الإجراءات المماثلة التي يتم مناقشتها في جميع أنحاء أوروبا. أستراليا كانت قد طبقت بالفعل قواعد صارمة على وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا في العام الماضي. الدنمارك أيضًا تسعى إلى حظر الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 عامًا، مع استثناءات محتملة بموافقة الوالدين. من المتوقع أن يتم تحويل هذا المقترح إلى قانون بحلول منتصف عام 2026.

في الختام، يمثل النقاش الدائر حول القواعد الرقمية وحماية المستخدمين، وخاصة القُصّر، تحديًا كبيرًا للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. من الضروري إيجاد حلول توازن بين حماية الحقوق الأساسية وتعزيز الابتكار في الفضاء الرقمي. هذا يتطلب حوارًا بناءً واحترامًا متبادلًا بين الجانبين، بالإضافة إلى التزام قوي من المنصات الرقمية بتحمل مسؤوليتها تجاه المستخدمين. نأمل أن يستمر هذا النقاش بشكل مثمر ويؤدي إلى وضع إطار تنظيمي عادل وفعال يحمي الجميع في العصر الرقمي.

شاركها.
اترك تعليقاً