في تطور لافت يعكس تصاعد الخلافات التجارية والسياسية داخل الاتحاد الأوروبي، تتجه فرنسا لإطلاق تصويت حاسم ضد اتفاقية “ميركوسور” التجارية مع دول أمريكا الجنوبية. يأتي هذا القرار بعد جهود دبلوماسية مكثفة بذلتها باريس خلال الأشهر الماضية، بهدف حشد دعم لمعارضة الاتفاق الذي يعتبره الرئيس ماكرون تهديداً للمصالح الزراعية الفرنسية والأوروبية. هذا التحرك الفرنسي يعرض مستقبل المفاوضات لمصير غير مؤكد، خاصةً مع إمكانية دعم إيطاليا للاتفاقية، وهو ما قد يوجه ضربة قوية لمساعي الرئيس ماكرون.
اتفاقية ميركوسور: ما هي وماذا يجري؟
تمثل اتفاقية ميركوسور (السوق المشتركة الجنوبية) تكتلاً اقتصادياً يضم الأرجنتين والبرازيل وباراغواي والأوروغواي. تهدف الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي، والتي استغرقت أكثر من 25 عاماً من المفاوضات، إلى إنشاء منطقة تجارة حرة واسعة تضم ما يقرب من 700 مليون مستهلك عبر القارتين. توقع الكثيرون أن تفتح هذه الخطوة آفاقاً جديدة لتعزيز الصادرات الأوروبية في ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية المتزايدة.
معارضة فرنسية شديدة لاتفاقية ميركوسور
لطالما كانت فرنسا من أبرز المعارضين لـ اتفاقية ميركوسور، معربة عن قلقها الشديد بشأن تأثير الواردات الزراعية الرخيصة من أمريكا الجنوبية على المزارعين الأوروبيين. يرى الرئيس ماكرون أن الاتفاقية صيغت في “حقبة أخرى” ولا تعكس الواقع الحالي، وأن الفوائد الاقتصادية المحتملة محدودة للغاية مقارنة بالمخاطر التي تهدد القطاع الزراعي الفرنسي، الذي يعتبر ركيزة أساسية للأمن الغذائي في البلاد.
صرح ماكرون على منصة إكس قائلاً: “قررت فرنسا التصويت ضد توقيع الاتفاق بين الاتحاد الاوروبي ودول ميركوسور”. وأضاف موضحاً أن هذه الاتفاقية “لا تبرر تعريض قطاعات زراعية حساسة للخطر”. هذا التصريح يؤكد الإصرار الفرنسي على حماية مصالحها الزراعية، حتى لو كان ذلك يعني عرقلة اتفاقية تجارية هامة.
ضغوط المزارعين وتأثيرها على القرار الفرنسي
لا يمكن فهم المعارضة الفرنسية الشديدة لـ اتفاقية ميركوسور دون الأخذ بعين الاعتبار الضغوط الهائلة التي يمارسها المزارعون الفرنسيون. يشعر المزارعون بالقلق من أن الاتفاقية ستفتح الباب أمام دخول كميات كبيرة من المنتجات الزراعية من أمريكا الجنوبية بأسعار أقل، مما سيؤدي إلى انخفاض أسعار منتجاتهم وتدهور أوضاعهم الاقتصادية. لقد شهدت فرنسا بالفعل احتجاجات واسعة النطاق من قبل المزارعين، وهذا يضع الحكومة الفرنسية في موقف صعب.
إيطاليا في قلب الحدث: هل ستنقذ الاتفاقية؟
مع اشتداد المعارضة الفرنسية، أصبحت إيطاليا الآن في موقع حاسم. إذا صوتت إيطاليا لصالح اتفاقية ميركوسور، فإنها ستمنحها الدعم اللازم لتجاوز الموقف الفرنسي الصعب، خاصةً وأن ألمانيا وإسبانيا من أبرز الداعمين للاتفاقية.
كان من المقرر إجراء التصويت على الاتفاقية الشهر الماضي، لكن القمة الأوروبية أجلت القرار بسبب التحفظات الفرنسية والإيطالية. وقد قدمت المفوضية الأوروبية بعض التنازلات، بما في ذلك تعزيز آليات مراقبة السوق وتقديم مساعدات مالية للمزارعين، في محاولة لإقناع إيطاليا بالتصويت لصالح الاتفاقية. ولكن، حتى الآن، لم يتضح بشكل قاطع كيف ستصوت إيطاليا.
التأثير الدبلوماسي المحتمل لدعم إيطاليا
إذا صوتت إيطاليا لصالح الاتفاقية وتجاوزت بذلك فرنسا في التصويت داخل مجلس الاتحاد الأوروبي، فسيكون ذلك سابقة تاريخية وضربة سياسية قوية للرئيس ماكرون. سيعني ذلك أن استراتيجيته الهادفة إلى بناء “أقلية معطلة” داخل الاتحاد الأوروبي قد فشلت، وأن قوى أخرى داخل الاتحاد مصممة على المضي قدماً في تنفيذ هذه الاتفاقية.
مساعي فرنسا لبناء تحالف معارض
لم تستسلم فرنسا بسهولة، بل كثفت جهودها الدبلوماسية لضم المزيد من الدول إلى تحالفها المعارض لـ اتفاقية ميركوسور. نجحت باريس في الحصول على دعم من بولندا والمجر وأيرلندا، وربما النمسا. ولكن، يبقى موقف إيطاليا هو العامل الأهم الذي سيحدد مصير الاتفاقية.
مستقبل اتفاقية ميركوسور: سيناريوهات محتملة
في حال رفض إيطاليا دعم الاتفاقية، فمن المرجح أن يتم تأجيل التصويت مرة أخرى، أو حتى إلغاء الاتفاقية بشكل كامل. أما إذا صوتت إيطاليا لصالحها، فسيتم إحالة الاتفاقية إلى البرلمان الأوروبي للموافقة عليها، وهو ما قد يستغرق عدة أشهر أخرى.
بغض النظر عن النتيجة النهائية، فإن الخلاف حول اتفاقية ميركوسور يكشف عن التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي في صياغة سياسة تجارية موحدة تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الدول الأعضاء. كما يبرز أهمية القطاع الزراعي في السياسة الأوروبية، والضغوط التي يمارسها المزارعون على الحكومات لحماية مصالحهم.
الخلاصة
يمثل تصويت الاتحاد الأوروبي على اتفاقية ميركوسور لحظة فاصلة في العلاقات التجارية بين أوروبا وأمريكا الجنوبية. الموقف الفرنسي المعارض، والتحركات الدبلوماسية المكثفة، ودور إيطاليا الحاسم، كلها عوامل تجعل من هذا التصويت حدثاً بالغ الأهمية. سيكون لهذا التصويت تداعيات كبيرة على مستقبل التجارة والاستثمار بين القارتين، وعلى السياسة الداخلية للدول الأوروبية المعنية. من الضروري متابعة هذا التطور عن كثب، وتحليل آثاره المحتملة على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.















