نهر النيل، شريان الحياة لمصر، يظل محورًا للتوترات الإقليمية مع استمرار الخلاف حول سد النهضة الإثيوبي. وفي تطور لافت، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الجمعة، عن استعداده لإعادة إطلاق وساطة أمريكية رفيعة المستوى لحل هذا النزاع المستمر، وهو ما لاقى ترحيبًا من مصر والسودان. يأتي هذا العرض في ظل مخاوف متزايدة من التصعيد المحتمل في المنطقة، وتأثيرات سلبية على الأمن المائي لملايين البشر.

ردود الفعل المصرية على الوساطة الأمريكية لسد النهضة

أعرب الرئيس عبد الفتاح السيسي عن تقديره العميق للرسالة التي تلقاها من الرئيس ترامب، مثمنًا عرضه الكريم للتوسط في القضية. وفي منشورات رسمية على منصات التواصل الاجتماعي، أكد السيسي ردّه على الرسالة بتأكيد موقف مصر الثابت ومخاوفها المشروعة المتعلقة بأمنها المائي في ضوء تشغيل سد النهضة. وأكد الرئيس أن نهر النيل ليس مجرد مصدر للمياه، بل هو “شريان حياة للشعب المصري”، وأن أي مساس به يمثل تهديدًا وجوديًا.

وشدد السيسي على التزام القاهرة بالتعاون “الجاد والبناء” مع جميع دول حوض نهر النيل، استنادًا إلى مبادئ القانون الدولي التي تضمن حقوق جميع الأطراف. وأضاف أن هذه المبادئ تمثل “الثوابت التي يتأسس عليها الموقف المصري”، وأن الهدف هو تحقيق مصالح مشتركة وتجنب أي ضرر قد يلحق بأي دولة. كما رحب بالاعتراف الذي تضمنته رسالة ترامب بالدور المحوري الذي تلعبه مصر في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين، خاصةً جهودها في تحقيق وقف إطلاق النار في غزة.

عرض ترامب: وساطة جديدة وتحذير من التصعيد

لم يقتصر عرض ترامب على الوساطة فحسب، بل تضمن تحذيرًا صريحًا من خطر التصعيد في المنطقة. فقد اعتبر ترامب أن “أي دولة في هذه المنطقة لا ينبغي أن تسيطر بشكل أحادي على الموارد الثمينة لـ نهر النيل” بما يضر بجيرانها. وأعلن استعداده لاستئناف الجهود الدبلوماسية “لحل مسألة تقاسم مياه النيل بشكل مسؤول ونهائي”، مؤكدًا أن سد النهضة الإثيوبي سيكون على رأس أولوياته.

وتطلع الرئيس الأمريكي إلى التوصل إلى صيغة تضمن إمدادات مائية مستقرة لمصر والسودان، مع إتاحة الفرصة لإثيوبيا لبيع أو توفير الكهرباء لهما، مما يعزز الاعتماد المتبادل إقليميًا. وحذر ترامب من أن استمرار النزاع دون حل قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية كبرى، معتبرًا أن معالجة التوترات المرتبطة بالسد تمثل أولوية قصوى لتحقيق السلام في إفريقيا والشرق الأوسط.

سد النهضة: بين التنمية والتهديد الوجودي

افتتحت إثيوبيا سد النهضة في سبتمبر الماضي، وهو أكبر مشروع كهرومائي في أفريقيا، بتكلفة تتراوح بين 4 و5 مليارات دولار. وتأمل أديس أبابا أن يضاعف السد قدرتها الكهربائية الحالية، وأن يكون ركيزة أساسية لخططها التنموية وجهودها لمكافحة الفقر. وقد رفضت إثيوبيا مرارًا وتكرارًا الاتهامات المصرية بأن المشروع سيضر بإمداداتها المائية.

إلا أن مصر تنظر إلى سد النهضة على أنه تهديد وجودي، نظرًا لاعتمادها على نهر النيل لتلبية ما يقرب من 97% من احتياجاتها المائية. ومع كونها واحدة من أكثر دول العالم جفافًا، وعدد سكانها يقارب 110 ملايين نسمة، تخشى القاهرة من أن أي تخفيض في حصتها من المياه سيكون له آثار كارثية على الأمن الغذائي، وقد يؤدي إلى فقدان مئات الآلاف من الوظائف في القطاع الزراعي.

أما السودان، فقد أعرب عن مخاوفه أيضًا، مشيرًا إلى أن عدم مشاركة إثيوبيا معلومات آنية حول تشغيل السد تسبب في فيضانات مدمرة في بعض المناطق، بالإضافة إلى تهديدات هيكلية لسدوده الأصغر. ورحب قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بعرض ترامب للوساطة، مؤكدًا دعم الخرطوم لأي مبادرة تضمن حقوق جميع الأطراف وتحافظ على الأمن والاستقرار الإقليمي.

تحديات مفاوضات سد النهضة

على الرغم من الجهود الدبلوماسية المتواصلة، لم يتمكن الأطراف الثلاثة من التوصل إلى اتفاق ملزم قانونيًا بشأن تشغيل السد. فقد فشلت محاولات وساطة سابقة قادتها الولايات المتحدة والبنك الدولي وروسيا والإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأفريقي.

إخفاقات سابقة وعودة الدور الأمريكي

شهدت المفاوضات السابقة بعض اللحظات الحاسمة، مثل اتفاق عام 2020 الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، والذي امتنعت إثيوبيا عن توقيعه في اللحظة الأخيرة. وقد أثارت تصريحات الرئيس ترامب في نهاية ولايته الأولى، والتي تضمنت تلميحًا إلى إمكانية تدمير السد، صدمة في كل من القاهرة وأديس أبابا.

ومع ذلك، لطالما أكد ترامب على أهمية قضية المياه بالنسبة لمصر، معتبرًا أن سد النهضة يمثل “مشكلة كبيرة”. والآن، يعود الدور الأمريكي إلى الواجهة في محاولة جديدة لكسر الجمود الدبلوماسي، في وقت لا يزال كل طرف يتمسك بموقفه، ويظل مستقبل نهر النيل رهنًا باحتمالات سياسية وأمنية معقدة.

من الضروري أن تستمر المفاوضات بروح من التعاون والثقة المتبادلة، وأن يتم إعطاء الأولوية لمصالح جميع الأطراف، لضمان استدامة هذا المورد الحيوي للأجيال القادمة. الوضع يتطلب حوارًا بناءً وشفافًا، والالتزام بالقانون الدولي، والبحث عن حلول مبتكرة توازن بين احتياجات التنمية وحقوق المياه.

شاركها.
اترك تعليقاً