اليونان تبرئ 24 عاملًا إنسانيًا من تهم تهريب المهاجرين في ليسفوس

أصدرت محكمة يونانية حكمًا تاريخيًا مساء الخميس، حيث برأت 24 عاملًا إنسانيًا كانوا يواجهون اتهامات بالتهريب، بعد سنوات من المماطلة القانونية. هذه القضية، التي أثارت جدلاً واسعًا، تتعلق بعمليات البحث والإنقاذ التي نفذها هؤلاء المتطوعون في جزيرة ليسفوس، وهي نقطة عبور رئيسية للمهاجرين إلى أوروبا. الحكم يمثل انتصارًا للمدافعين عن حقوق الإنسان، ولكنه يثير أيضًا تساؤلات حول سياسات الهجرة في أوروبا.

سنوات من الملاحقة القضائية تنتهي بالبراءة

استمرت الإجراءات القانونية ضد هؤلاء العاملين الإنسانيين لأكثر من سبع سنوات، حيث اتُهموا بالانتماء إلى منظمة إجرامية، وتسهيل الدخول غير القانوني إلى اليونان، وغسل الأموال، وذلك خلال الفترة الممتدة من عام 2016 إلى عام 2021. كان المتهمون يواجهون أحكامًا بالسجن تصل إلى 20 عامًا في حال إدانتهم. لكن محكمة الاستئناف في ليسفوس قررت تبرئتهم من جميع التهم الموجهة إليهم.

القاضي فاسيليس باباثاناسيو، رئيس المحكمة، أوضح أن سبب البراءة هو أن نية المتهمين لم تكن إجرامية، بل كانت تقديم المساعدة الإنسانية للمهاجرين الذين يواجهون خطر الموت في البحر. هذا التصريح يعكس فهمًا عميقًا للظروف القاسية التي يواجهها المهاجرون، والجهود التي بذلها هؤلاء المتطوعون لإنقاذ حياتهم.

اتهامات تفتقر إلى الأدلة

قبل صدور الحكم، أقر المدعي العام للمحكمة بأن الاتهامات تفتقر إلى الأدلة، وأوصى بتبرئة المتهمين. وأكد على عدم وجود دليل قاطع يثبت وجود هيكل هرمي أو تنظيم إجرامي يربط بين المتهمين. هذا الاعتراف من المدعي العام يعزز من مصداقية الحكم، ويدل على أن القضية كانت مبنية على افتراضات غير صحيحة.

واتساب والاتهامات الزائفة

أحد الجوانب الرئيسية في حجج الادعاء ركز على استخدام المتهمين لتطبيق واتساب للتواصل بشأن قوارب المهاجرين. تم تقديم هذا الأمر كدليل على وجود مؤامرة إجرامية. لكن القاضي رفض هذا الدليل أيضًا، وحكم بأن مجرد وجود “مجموعة تواصل على الإنترنت لا يمكن اعتبارها منظمة إجرامية”. هذا الحكم يوضح أن استخدام وسائل الاتصال الحديثة لا يمكن اعتباره دليلًا على التورط في أنشطة غير قانونية، خاصة إذا كانت هذه الأنشطة تهدف إلى إنقاذ الأرواح.

ردود الفعل على الحكم

لم تصدر السلطات اليونانية أي تعليق رسمي على الحكم حتى الآن. لكن المنظمات الحقوقية رحبت بالقرار، واعتبرته انتصارًا للقيم الإنسانية. ويز دي غريف، المدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية في بلجيكا، الذي حضر جلسة المحكمة، وصف الحكم بأنه “حلو ومر”، مشيرًا إلى أن شهادات المتهمين كانت “مؤلمة” وكشفت عن “الآثار النفسية والمالية والعاطفية للمحاكمة على حياتهم”. وأضاف أن هناك ارتياحًا كبيرًا بين المتهمين لعدم قضاءهم سنوات طويلة في السجن.

قصة شان بيندر: متطوع في مواجهة الاتهامات

من بين المتهمين الذين تمت تبرئتهم، شان بيندر، وهو مواطن ألماني-إيرلندي كان يعمل كمتطوع في الإنقاذ البحري مع مركز الإنقاذ الدولي في حالات الطوارئ (ERCI). قال بيندر إنه يشعر بالارتياح لعدم قضاء السنوات العشرين القادمة في السجن، ولكنه في الوقت نفسه يشعر بالقلق من أن هذا كان احتمالًا واردًا. وأكد أن تقديم المساعدة الإنسانية المنقذة للحياة هو واجب وليس جريمة.

بيندر أوضح أنه كان يقضي معظم وقته في “نوبات المراقبة”، حيث يراقب السواحل التركية بحثًا عن قوارب المهاجرين. وكان يتواصل بانتظام مع خفر السواحل اليوناني لإبلاغهم عن أي قوارب في خطر. توقفت أعمال بيندر بعد القبض عليه، إلى جانب سارة مارديني، التي اشتهرت بقصتها المؤثرة عن السباحة عبر البحر الأبيض المتوسط.

تداعيات الحكم على سياسات الهجرة الأوروبية

هذا الحكم يثير تساؤلات مهمة حول سياسات الهجرة في أوروبا، ويؤكد على الحاجة إلى مراجعة القوانين التي تجرم تقديم المساعدة الإنسانية للمهاجرين. المنظمات الإنسانية أعربت عن قلقها من أن هذه المحاكمات تعيق عمل فرق الإغاثة في جزر بحر إيجة، وتؤدي إلى تراجع كبير في العمليات الإنسانية.

كما أشارت هذه المنظمات إلى أن هناك رد فعل أوروبي أوسع ضد الأفراد والمنظمات التي تساعد المهاجرين وطالبي اللجوء، وأن هناك إجراءات قضائية مماثلة اتخذت ضد حوالي 124 شخصًا في أوروبا خلال عام 2024. إيف جيدي، مديرة مكتب المؤسسات الأوروبية الدولية في منظمة العفو الدولية، دعت الاتحاد الأوروبي إلى “تقديم ضمانات أقوى ضد تجريم المساعدة الإنسانية بموجب قوانين الاتحاد الأوروبي”.

تزايد أعداد المهاجرين إلى اليونان

على الرغم من تشديد سياسات الهجرة في أوروبا، إلا أن أعداد المهاجرين القادمين إلى اليونان قد ارتفعت في الآونة الأخيرة. فقد وصل أكثر من 1000 مهاجر إلى جزيرتي كريت وجافدوس، معظمهم من شمال أفريقيا. ويقول المسؤولون اليونانيون إن المهربين من ليبيا يفضلون هذه الجزر بسبب تحسن الأحوال الجوية وقربها من الساحل الأفريقي. حتى نهاية أكتوبر 2025، سجلت اليونان 39,495 حالة عبور غير شرعي، بانخفاض 18% مقارنة بنفس الفترة من عام 2024.

في الختام، يمثل حكم البراءة الصادر بحق هؤلاء العاملين الإنسانيين في اليونان نقطة تحول مهمة في التعامل مع قضية الهجرة. إنه يؤكد على أهمية تقديم المساعدة الإنسانية للمهاجرين، ويدعو إلى مراجعة القوانين التي تجرم هذا العمل النبيل. يجب على أوروبا أن تتبنى سياسات هجرة أكثر إنسانية وواقعية، وأن تحترم حقوق الإنسان لجميع الأفراد، بغض النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني. هذه القضية تفتح الباب لمزيد من النقاش حول مستقبل الهجرة في أوروبا، وكيفية التعامل مع هذه القضية المعقدة بطريقة تحترم الكرامة الإنسانية وتضمن الأمن للجميع.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version