في الوقت الذي لم تنته فيه احتفالات رأس السنة الميلادية بعد، لفت أنظار مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ارتفاع مفاجئ في مبيعات البيتزا بالقرب من البنتاغون في الساعات الأولى من صباح يوم السبت، ما أثار تكهنات حول احتمال إطلاق عملية عسكرية أمريكية في مكان ما حول العالم. وبينما قد تبدو هذه الإشارات غريبة أو مبالغة، إلا أنها تأتي في سياق تطورات جيوسياسية متسارعة أعادت السياسة الخارجية الأمريكية إلى دائرة الضوء، وتحديداً تأثيرها على حلفائها وخصومها، من فنزويلا إلى إيران وسوريا، وصولاً إلى مناطق أوسع. هذا المقال يتناول التطورات الأخيرة في هذه المناطق، مع التركيز على السياسة الخارجية الأمريكية وتداعياتها، ومستقبل العلاقات بين إيران والقوى الدولية.

ترامب يطلق تصريحات حادة ضد إيران

لم يتوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توجيه رسائل مباشرة ضد إيران حتى في الأيام الأولى من العام الجديد. هذه التصريحات تزامن مع أحداث هامة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، بدءاً من الضغوط على كراكاس وصولاً إلى العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش في شمال نيجيريا، والتي يبدو أنها جاءت بناءً على طلب من الحكومة النيجيرية.

النفط: خيط مشترك في السياسة الأمريكية

أحد الجوانب اللافتة للانتباه بالنسبة للعديد من المحللين هو وجود قاسم مشترك بين هذه الدول الثلاث – إيران وفنزويلا ونيجيريا – وهو أنها جميعاً دول نفطية. هذا يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تسعى، في ظل الأوضاع الحساسة لسوق الطاقة العالمية، إلى لعب دور أكبر في تحديد أسعار النفط والتأثير في قرارات منظمة أوبك. مع ذلك، أكد مسؤولون في قطاع النفط الفنزويلي أن البنية التحتية الرئيسية في البلاد، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، لم تتأثر بشكل كبير، وأن الإنتاج والتكرير مستمران.

سقوط مادورو: تداعيات على إيران

سقوط نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا لا يُنظر إليه على أنه مجرد تغيير داخلي، بل يحمل آثاراً كبيرة على إيران، التي كانت فنزويلا أحد أبرز حلفائها في السنوات الأخيرة. التعاون الاقتصادي والنفطي والأمني بين البلدين تعمق بشكل خاص خلال فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد وعلاقته الوطيدة مع هوغو تشافيز، واستمر في المشاريع الكبيرة التي نفذتها الشركات الإيرانية في فنزويلا.

هذه الاستثمارات الإيرانية، التي بلغت مليارات الدولارات، خاصة من قبل جهات مرتبطة بالحرس الثوري، كانت مدفوعة بالتقارب الأيديولوجي والمعارضة المشتركة للولايات المتحدة. الآن، مع سقوط حكومة مادورو، يكتنف الغموض مصير هذه الاستثمارات والمطالبات المالية الإيرانية المتأخرة، في وقت تعاني فيه إيران من أزمة اقتصادية حادة ونقص في العملات الأجنبية.

الاحتجاجات في إيران والظلال الخارجية

تأتي هذه التطورات في وقت دخلت فيه الاحتجاجات الشعبية في إيران مرحلة جديدة، مدعومة بتصريحات ترامب، وامتدت لتشمل العديد من المدن. ويعتبر مراقبون داخليون وخارجيون أن تزامن سقوط حليف إيراني في أمريكا اللاتينية مع تصاعد الاضطرابات الداخلية ليس أمراً عشوائياً. يشير البعض إلى أن الحرب الأخيرة وتداعياتها خلقت “شرخاً أمنياً” في البنية الدفاعية الإيرانية، مما يزيد من هشاشة القيادة الإيرانية، وقد يصل إلى التهديد الجسدي لعلي خامنئي.

رد القيادة الإيرانية وتأكيد الموقف

في هذا السياق، عاد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إلى التمييز التقليدي بين “المحتجين” و “مثيري الشغب”، وحذر من أنه لن يتراجع أمام ما وصفه بمحاولات إسقاط النظام. لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا الموقف قد تم صياغته قبل سقوط حكومة مادورو أم بعده، لكن التزامن بين الحدثين اعتبره الكثيرون ذا دلالة. وأكد خامنئي، خلال اجتماع مع عائلات القتلى، أنه “سيجبر العدو على الركوع”. إن هذه التصريحات تعكس موقفاً صلباً وتأكيداً على سياسة التحالفات الإقليمية.

تجربة سوريا وفنزويلا: ما هو دور روسيا؟

أثارت تجربتا سوريا وفنزويلا، اللتين حظيتا بدعم سياسي وعسكري من روسيا، تساؤلات جديدة حول دور موسكو في معادلات القوة. سقوط النظامين في كلتا الدولتين، رغم الدعم الروسي، أثار تكهنات حول وجود “صفقات أكبر” بين القوى العالمية، قد يتم فيها تحديد مصير الحلفاء الإقليميين في إطار مقايضات جيوسياسية.

الاعتماد على الشرق: ضمان أم هشاشة؟

شهدت إيران خلال السنوات الأخيرة اعتماداً ملحوظاً على روسيا، وتوقيع اتفاق تعاون طويل الأمد لمدة 20 عاماً مع موسكو. لكن العديد من الخبراء يعتقدون أن هذه الاتفاقات قد لا تحمل قيمة استراتيجية دائمة بالنسبة للكرملين، وأن طهران قد تتحول إلى ورقة يمكن التخلي عنها إذا تغيرت موازين المصالح.

خلال الحرب الأخيرة، اقتصر الدعم الروسي لإيران على المستوى السياسي والدبلوماسي، دون أي مؤشرات على دعم عسكري فعال. فضلت روسيا تجنب تصعيد التوتر مع إسرائيل والولايات المتحدة، واكتفت بمواقف عامة تدين الهجمات وتدعو إلى ضبط النفس، وهو ما اعتبره الكثيرون في إيران دليلاً على إخلال الكرملين بالتزاماته.

الصين وإيران: شراكة براغماتية

يرى العديد من المحللين أن الصراع الرئيسي في النظام العالمي الحالي هو صراع اقتصادي بين الولايات المتحدة والصين. لكن المواقف الأخيرة لبكين تجاه طهران تشير إلى أن نظرة الصين إلى إيران لا تختلف جوهرياً عن النهج البراغماتي لروسيا. تستخدم الصين إيران كورقة جيوسياسية ومصدر طاقة رخيص في مواجهة الغرب، وتتجنب تقديم دعم مكلف أو الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

اقتصاد إيراني منهك وتوقعات قاتمة

تلقي كل هذه العوامل بظلالها على إيران في وقت يعاني فيه اقتصاد البلاد من ضغوط العقوبات والتضخم وانهيار القوة الشرائية للمواطنين. يعتبر الكثيرون أن وعود المسؤولين بتحسين الوضع المعيشي هي مجرد مسكنات قصيرة الأمد، وربما تكون “دواءً بعد فوات الأوان”.

رسالة سقوط الأنظمة لإيران

يثير سقوط الأنظمة التي أقامت علاقات وثيقة مع إيران تساؤلاً حول الرسالة التي تحملها هذه التطورات لطهران. هل هي مجرد نتيجة للظروف الداخلية لكل دولة، أم مؤشر على تغيير في نهج القوى الكبرى تجاه حلفائها؟ يبدو مؤكداً أن تزامن الضغوط الخارجية والاضطرابات الداخلية وانهيار الحلفاء وضع إيران في موقف صعب. إن فهم هذه الديناميكيات أمر بالغ الأهمية لتقييم مستقبل السياسة الإيرانية في المنطقة والعالم.

أزمة متراكمة في إيران

الاحتجاجات الأخيرة في إيران ليست مفاجئة، بل هي نتيجة لتراكم طويل الأمد من الضغوط الاقتصادية والفساد وتدهور معيشة المواطنين. إنها تعبير عن أزمة بنيوية تشكلت على مدى سنوات، وأصبحت جاهزة للانفجار مع أي صدمة. إن هذه الأزمة قد تكون القاسم المشترك بين “الشعب المنهك” في فنزويلا ونظيره الإيراني.

شاركها.
اترك تعليقاً