في خضمّ التوتر السياسي المتصاعد في الولايات المتحدة، أطلق الرئيس السابق دونالد ترامب تصريحات قوية بشأن شرعية الوثائق التي وقعها الرئيس الحالي جو بايدن خلال فترة ولايته، مركزًا هجومه على استخدام ما يُعرف بـ “القلم الآلي” (Autopen). هذا الأمر أثار جدلاً واسعًا حول الإطار القانوني لاستخدام هذه التقنية القديمة، وطبيعة الصلاحيات الرئاسية، وما إذا كان ذلك مجرد هجوم سياسي يهدف إلى التشكيك في قدرات بايدن. يركز هذا المقال على تفاصيل هذا الجدل حول القلم الآلي واستخدامه من قبل الرؤساء الأمريكيين، والإمكانات القانونية التي قد تنجم عن تصريحات ترامب.
تصعيد الهجوم على بايدن: إلغاء الوثائق الموقعة بالقلم الآلي
صعّد الرئيس دونالد ترامب هجومه اللفظي على الرئيس جو بايدن، مُعلنًا في منشور على منصة Truth Social أن جميع الوثائق التي وُقعت بواسطة “القلم الآلي” خلال فترة بايدن الرئاسية أصبحت “ملغاة وغير سارية المفعول”. وزعم ترامب أن حوالي 92% من الوثائق التي تحمل توقيع بايدن وُقعت بهذه الطريقة، ملقيًا بذلك الشك حول شرعية القرارات التي اتخذها بايدن خلال فترة ولايته.
ويرى ترامب أن استخدام القلم الآلي بهذا النطاق الكبير يطرح تساؤلات جدية حول من كان يدير البيت الأبيض حقًا خلال تلك الفترة، مُكررًا وصفه لبايدن بـ “النعسان” ومُشيرًا إلى افتقاره للأهلية الذهنية. يهدف هذا الخطاب إلى تقويض الثقة في إدارة بايدن الحالية وتعزيز سردية مفادها بأن الرئيس غير قادر على اتخاذ القرارات بنفسه.
ما هو القلم الآلي (Autopen) وكيف يعمل؟
القلم الآلي، أو Autopen، هو جهاز ميكانيكي قديم نسبيًا يعود تاريخ اختراعه إلى عام 1803. يُستخدم هذا الجهاز لاستنساخ توقيع شخص ما بشكل آلي ودقيق باستخدام حبر حقيقي. تعمل الآلية عبر تتبع نموذج توقيع مُعد مسبقًا، مما يسمح بتوقيع كميات كبيرة من الوثائق بسرعة وكفاءة.
على الرغم من بساطة الجهاز، فقد لعب دورًا مهمًا في الإدارة الرئاسية، خاصةً لتوقيع الرسائل الروتينية، والمراسلات الرسمية، والمستندات التي تتطلب توقيعًا متكررًا، مثل العفو الرئاسي، دون الحاجة إلى قيام الرئيس بالتوقيع يدويًا في كل مرة. تُعَد هذه الممارسة مساعدة لوجستية، حيث يمكن للرئيس تفويض عملية التوقيع لبعض المهام الروتينية.
الإطار القانوني لاستخدام القلم الآلي: ما الذي يسمح به القانون؟
يثير استخدام القلم الآلي تساؤلات حول الشرعية القانونية للوثائق الموقعة بهذه الطريقة. ومع ذلك، أوضحت وزارة العدل الأمريكية في توجيه رسمي صدر عام 2005 أن الدستور لا يشترط ضرورة قيام الرئيس بالتوقيع الشخصي على القوانين التي يوافق عليها.
بل إن التوجيه يسمح للرئيس بتفويض التوقيع إلى أحد مساعديه عبر استخدام القلم الآلي، طالما أن هذا التفويض تم بناءً على قرار صادر عن الرئيس نفسه. بعبارة أخرى، التوقيع بواسطة القلم الآلي يعتبر قانونيًا طالما أن الرئيس هو الذي أمر بإصداره. هذا التوضيح يهدف إلى ضمان سير العمل بكفاءة في الإدارة الرئاسية دون إعاقة العملية التشريعية.
تاريخ استخدام القلم الآلي في الإدارات الرئاسية السابقة
إن استخدام القلم الآلي ليس أمرًا جديدًا في تاريخ الإدارات الرئاسية الأمريكية. فقد استخدمه العديد من الرؤساء على مر العقود لتسهيل عملية توقيع الوثائق. تشير السجلات إلى أن توماس جيفرسون استخدم نسخة مبكرة من هذا الجهاز.
وتابعه رؤساء آخرون مثل هاري ترومان، وجيرالد فورد، وليندون جونسون، الذي سمح بتصوير الجهاز داخل البيت الأبيض كجزء من التوثيق التاريخي. كما استخدمه جون كينيدي وبراك أوباما لتوقيع قوانين مهمة، بما في ذلك تمديد قانون باتريوت في عهد أوباما أثناء وجوده في الخارج. حتى دونالد ترامب نفسه أقرّ بأنه استخدم القلم الآلي لتوقيع وثائق اعتبرها غير مهمة. هذا يدل على أن استخدام الجهاز هو ممارسة متوافقة مع التقاليد الرئاسية.
هجوم سياسي أم مخاوف قانونية حقيقية؟
يُنظر على نطاق واسع إلى هجوم ترامب على استخدام بايدن للقلم الآلي على أنه جزء من حملة سياسية أوسع تهدف إلى تقويض شرعية الرئيس الحالي. فقد اعتمد ترامب في هجومه على ادعاءات بأن استخدام بايدن للجهاز يثبت افتقاره للأهلية الذهنية وأن مساعديه كانوا يتخذون القرارات نيابة عنه. إلا أن هذه الادعاءات لم تُدعّم بأي أدلة قاطعة أو ملموسة.
لجنة رقابية يقودها الجمهوريون أصدرت تقريرًا في أكتوبر تضمن ادعاءات واسعة حول توقيعات بايدن، لكنه خلا من أي وثائق تثبت وجود تلاعب أو أن مساعدي بايدن تصرفوا دون علمه. بينما وصف أعضاء اللجنة من الحزب الديمقراطي التقرير بأنه “مهزلة”.
حدود سلطة ترامب: ما الذي يمكنه فعله؟
من الناحية القانونية، يمتلك الرئيس الأمريكي سلطة إلغاء الأوامر التنفيذية التي أصدرها سلفه، سواء وُقعت يدويًا أو بواسطة القلم الآلي. لكن خبراء قانونيين يؤكدون أن سلطة الرئيس لا تمتد إلى القوانين التي أقرّها الكونغرس أو قرارات العفو التي صدرت خلال فترة ولاية سلفه، حتى لو وُقعت عبر القلم الآلي، طالما أن الرئيس السابق هو من أصدر أمر التوقيع.
وأكد الخبير القانوني المحافظ إد ويلان أن الرئيس يتمتع بحرية كاملة في التعامل مع الأوامر التنفيذية، لكن هذه الحرية لا تشمل المستندات الأخرى التي اكتسبت قوة قانونية بمجرد تمريرها أو صدورها وفقًا للأصول. بمعنى آخر، لا يمكن لترامب ببساطة أن يلغي بالقوة القانونية ما تم تمريره بشكل قانوني خلال فترة ولاية بايدن.
في الختام، فإن الجدل حول استخدام جو بايدن للقلم الآلي هو في المقام الأول جدل سياسي يهدف إلى التشكيك في شرعيته. على الرغم من أن الرئيس يمكنه إلغاء الأوامر التنفيذية التي أصدرها سلفه، إلا أن سلطته لا تمتد إلى القوانين أو القرارات الأخرى التي صدرت بشكل قانوني. يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان هذا الهجوم السياسي سيؤدي إلى أي تداعيات قانونية حقيقية، أم أنه مجرد محاولة أخرى لتقويض الثقة في الإدارة الحالية. للمزيد من التحليل، يمكن للقراء الاطلاع على تقارير وزارة العدل الأمريكية المتعلقة بالأوامر التنفيذية والسلطات الرئاسية.















