تونس تشهد تطورات جديدة في قضية “التآمر على أمن الدولة” مع تعليق إضراب جوهر بن مبارك عن الطعام، وهي القضية التي أثارت جدلاً واسعاً داخل وخارج البلاد. هذا المقال يقدم تحليلاً مفصلاً للتطورات الأخيرة، الأحكام القضائية، والخلفيات السياسية لهذه القضية الحساسة.
تعليق إضراب جوهر بن مبارك عن الطعام: تطور لافت في القضية
أعلن جوهر بن مبارك، القيادي البارز في جبهة الخلاص الوطني المعارضة في تونس، عن تعليق إضرابه عن الطعام الذي بدأه داخل السجن احتجاجاً على استمرار اعتقاله في قضية التآمر على أمن الدولة. جاء هذا القرار بعد 12 يوماً من الإضراب، والذي تزامن مع ذكرى الثورة التونسية. وقد نشر بن مبارك رسالة عبر حسابه على فيسبوك، أعرب فيها عن امتنانه للدعم الذي تلقاه خلال فترة محنته، مؤكداً في الوقت ذاته على استمراره في النضال من أجل موقفه.
هذا الإضراب ليس الأول من نوعه لبن مبارك في هذه القضية، حيث سبق له أن خاض إضراباً استمر لمدة 33 يوماً، بدءاً من 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. يعكس هذا التصعيد من جانب المعارضة قلقها العميق بشأن مسار القضية، وما تعتبره انتهاكات لحقوق الإنسان والحريات العامة.
تفاصيل الأحكام القضائية في قضية “التآمر على أمن الدولة”
تعود جذور قضية التآمر على أمن الدولة إلى فبراير/شباط 2023، عندما قامت السلطات التونسية باعتقال عدد من الشخصيات السياسية المعارضة، والمحامين، والناشطين في المجتمع المدني. وجهت إليهم تهم خطيرة تتعلق بمحاولة المساس بالنظام العام، وتقويض أمن الدولة، والتخابر مع جهات أجنبية، والتحريض على الفوضى والعصيان.
في أبريل/نيسان الماضي، أصدرت محكمة ابتدائية أحكاماً أولية بالسجن تراوحت بين 4 سنوات و66 سنة في حق 37 متهماً، منهم 22 حضورياً و15 غيابياً. ومن بين هؤلاء، صدر حكم بسجن جوهر بن مبارك لمدة 18 عاماً. لاحقاً، وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، رفعت محكمة الاستئناف هذا الحكم إلى 20 عاماً.
أبرز المتهمين في القضية
إلى جانب جوهر بن مبارك، تضم قائمة المتهمين البارزين في هذه القضية أسماءً مؤثرة في المشهد السياسي التونسي، مثل:
- عصام الشابي، الأمين العام للحزب الجمهوري.
- عبد الحميد الجلاصي، القيادي السابق في حركة النهضة.
- غازي الشواشي، الوزير السابق.
- خيام التركي، القيادي السابق في حزب التكتل.
- رضا بلحاج، رئيس الديوان الرئاسي السابق.
هذه الأسماء تزيد من تعقيد القضية، وتثير تساؤلات حول دوافع الاعتقالات والأحكام الصادرة.
اتهامات متبادلة: هل هي قضية جنائية أم ذات خلفية سياسية؟
تصر السلطات التونسية على أن هذه القضية هي قضية جنائية بحتة، وأن المحاكمات تجري وفقاً للقانون، دون أي تدخل من السلطة التنفيذية. وتؤكد الحكومة على التزامها بتطبيق القانون على الجميع، وحماية أمن واستقرار البلاد.
المعارضة التونسية، من جهة أخرى، ترفض هذا الطرح، وتعتبر أن هذه المحاكمات ذات طابع سياسي واضح، وأن المؤسسة القضائية تُستخدم كأداة لقمع المعارضة، وملاحقة الرافضين للإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد منذ 25 يوليو/تموز 2021. وتشير المعارضة إلى أن هذه الإجراءات تمثل تراجعاً خطيراً على الديمقراطية، وتكريساً للحكم الفردي.
انقسام تونسي حول الإجراءات الرئاسية
لقد أثارت الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد منذ 25 يوليو/تموز 2021، بما في ذلك حل مجلس النواب، وإصدار التشريعات بأوامر رئاسية، وإقرار دستور جديد عبر استفتاء، انقساماً حاداً في المجتمع التونسي.
هناك قوى تونسية تعتبر هذه الإجراءات بمثابة انقلاب على الدستور، وتهديد للديمقراطية، وتدعو إلى العودة إلى النظام الدستوري السابق. بينما ترى قوى أخرى أن هذه الإجراءات ضرورية لتصحيح مسار الثورة، وإنقاذ البلاد من الأزمة السياسية والاقتصادية.
ويصر الرئيس سعيد على أن تدابيره تهدف إلى حماية الدولة من “خطر داهم”، وأنها تتوافق مع الدستور، مؤكداً التزامه بالحفاظ على الحريات والحقوق الأساسية للمواطنين. ومع ذلك، يرى الكثيرون أن هذه الوعود لا تتجسد على أرض الواقع، وأن هناك تضييقاً متزايداً على الحريات العامة، وحقوق الإنسان.
مستقبل القضية وتداعياتها المحتملة
تبقى قضية التآمر على أمن الدولة قضية حساسة ومثيرة للجدل في تونس. تعليق إضراب جوهر بن مبارك عن الطعام لا يعني نهاية المطاف، بل قد يكون مجرد استراحة مؤقتة قبل تصعيد جديد. من المتوقع أن تستمر هذه القضية في إثارة النقاش والانقسام في المجتمع التونسي، وأن يكون لها تداعيات كبيرة على مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البلاد. كما أن متابعة التطورات القانونية والسياسية لهذه القضية، والتحقق من مدى احترام الإجراءات القانونية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، أمر ضروري لضمان تحقيق العدالة والإنصاف لجميع الأطراف المعنية.
Keywords used: قضية التآمر على أمن الدولة (main), المعارضة التونسية (secondary), حقوق الإنسان (secondary)














