بعد مرور ثلاثة أشهر على السرقة الجريئة التي هزّت متحف اللوفر في باريس، لا تزال مجوهرات التاج الفرنسي المسروقة، والتي تُقدّر قيمتها بـ88 مليون يورو، مجهولة المصير. بينما يقبع اللصوص الأربعة المشتبه بهم خلف القضبان، يواصل القضاء الفرنسي تحقيقًا مكثفًا لكشف ملابسات الجريمة وتحديد مكان الكنوز المسروقة. هذه القضية أثارت جدلاً واسعًا حول الإجراءات الأمنية في المتحف، وأعادت إلى الأذهان سرقات تاريخية أخرى استهدفت هذا الصرح الثقافي العالمي.
تفاصيل السرقة والتحقيقات الجارية
السرقة، التي وقعت في 19 أكتوبر 2025، استهدفت مجموعة قيمة من مجوهرات التاج الفرنسي، بما في ذلك تاج الإمبراطورة أوجيني. التحقيقات الأولية كشفت أن السرقة لم تكن عشوائية، بل خططت لها مجموعة من الأفراد بعناية فائقة. وقد استأجر اللصوص رافعة و قاموا بتجهيزها مسبقًا، واختاروا ساعة مبكرة من الصباح عندما يكون المتحف مكتظًا بالعمال والموظفين، مما وفر لهم غطاءً مثاليًا للعمل.
تحديد هوية المشتبه بهم
تمكنت الشرطة من تحديد هوية اثنين من المشتبه بهم من خلال الحمض النووي الذي عُثر عليه في المتحف وعلى الرافعة المستخدمة في السرقة. أما المشتبه به الثالث، فقد تم التعرف عليه من خلال كاميرات المراقبة التي رصدت دراجة نارية استخدمها، ووجدت عليها آثار للحمض النووي أيضًا. فيما تم تحديد المشتبه به الرابع من خلال “تطابق المعلومات والتحقيقات” التي أجريت.
غموض مصير المجوهرات
لا يزال السؤال الأهم دون إجابة: أين مجوهرات التاج الفرنسي المسروقة؟ تتراوح التخمينات بين إخفائها داخل فرنسا، أو تهريبها إلى الخارج، أو حتى إلقائها في نهر السين. تدرس السلطات أيضًا فرضية بيع المجوهرات في السوق السوداء بعد وقت قصير من السرقة. المدعية العامة في باريس، لور بيكو، أشارت إلى أن التحقيقات لا تزال مستمرة وأن جميع الاحتمالات مطروحة.
ملفات المشتبه بهم والفرضيات الجديدة
أثارت المدعية العامة دهشتها من عدم تطابق ملفات المشتبه بهم مع ملفات “الذين عادة ما يتورطون بأعلى مستويات الجريمة المنظمة”. هذا الأمر دفع المحققين إلى إعادة النظر في دوافع السرقة والجهات المستفيدة منها. هل كان الأمر مجرد عمل فردي يهدف إلى تحقيق مكاسب مالية سريعة؟ أم أن هناك جهات أخرى متورطة في القضية؟
على الرغم من أن بعض المراقبين وصفوا اللصوص بأنهم “غير أكفاء” بسبب تركهم آثار الحمض النووي وسقوط تاج الإمبراطورة أوجيني أثناء الهروب، إلا أن مصادر مطلعة على الملف أكدت أنهم أظهروا تخطيطًا دقيقًا. فقد قاموا بوضع معداتهم ودراجاتهم الكهربائية الصغيرة داخل صناديق، وفككوا نظام كاميرات المراقبة، وتمكنوا من إتمام العملية متنكرين بزيّ عمال بناء خلال ثماني دقائق فقط. بعد ذلك، توجّهت سيارتهم نحو الضواحي “لتضليل المحققين بدخول منطقة لا تغطيها كاميرات المراقبة”، ثم تفرقوا واستأنفوا حياتهم الطبيعية.
الثغرات الأمنية في متحف اللوفر
كشفت تقارير تدقيق سابقة، تعود إلى عام 2017، عن وجود ثغرات أمنية في متحف اللوفر لم يتم معالجتها بشكل كافٍ. هذه التقارير حذرت من ضعف الحراسة في بعض المناطق، وعدم كفاية كاميرات المراقبة، وعدم وجود خطط طوارئ واضحة للتعامل مع حالات السرقة. السرقة الأخيرة أكدت صحة هذه التحذيرات، وأثارت انتقادات واسعة النطاق حول إدارة المتحف.
رئيسة المتحف، لورانس دي كار، أقرت بـ “قصور التنظيم” في مسائل الأمن، وأعلنت عن إجراءات طارئة لتعزيز حماية المجوهرات. تشمل هذه الإجراءات زيادة عدد الحراس، وتركيب كاميرات مراقبة جديدة، وتحسين خطط الطوارئ. بالإضافة إلى ذلك، يجري المتحف مراجعة شاملة لإجراءاته الأمنية بهدف تحديد ومعالجة جميع الثغرات المحتملة. الأمن في المتاحف أصبح قضية حيوية تتطلب اهتمامًا فوريًا.
سرقات تاريخية في اللوفر
متحف اللوفر ليس غريبًا عن حوادث السرقة. فقد شهد المتحف العديد من السرقات الشهيرة على مر تاريخه. أبرز هذه السرقات كانت سرقة لوحة الموناليزا عام 1911 على يد مصمم ديكور إيطالي يدعى فينتينزو بيروجيا. تنكر بيروجيا بزي عامل، وعندما غاب المراقبون، أزال اللوحة وغادر، قبل أن يتم القبض عليه لاحقًا واستعادة اللوحة.
حادثة أخرى بارزة وقعت عام 1956، حين ألقى أحد الزوار حجرًا على الموناليزا، مما تسبب في تقشر طفيف للطلاء. بعد هذه الحادثة، تم نقل اللوحة مباشرة خلف زجاج واقٍ لحمايتها. هذه الحوادث التاريخية تذكرنا بأهمية الحفاظ على التراث الثقافي العالمي، وضرورة اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان حماية الممتلكات الثقافية.
الخلاصة
لا تزال قضية سرقة مجوهرات التاج الفرنسي من متحف اللوفر قيد التحقيق. على الرغم من القبض على المشتبه بهم، إلا أن مصير المجوهرات لا يزال مجهولاً. هذه السرقة كشفت عن ثغرات أمنية في المتحف، وأثارت تساؤلات حول الإجراءات الأمنية المتبعة. من الضروري أن يتخذ المتحف خطوات جادة لتعزيز حمايته، وضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث في المستقبل. يبقى الأمل معلقًا في استعادة هذه الكنوز الثقافية وإعادتها إلى مكانها الأصلي.


