أوروبا تواجه تصعيدًا أمريكيًا غير مسبوق، حيث ربط الرئيس دونالد ترامب بشكل صريح ملف السيادة على غرينلاند بفرض رسوم جمركية متزايدة على ثماني دول أوروبية. هذا التطور يثير قلقًا بالغًا في العواصم الأوروبية ويدفعها إلى توحيد الصف في مواجهة الضغوط الأمريكية. يمثل هذا الخلاف تهديدًا حقيقيًا للعلاقات عبر الأطلسي، ويطرح تساؤلات حول مستقبل التجارة والتعاون الاقتصادي بين الجانبين.

تهديدات ترامب بالرسوم الجمركية وتوحيد الموقف الأوروبي

أعلنت الدول الأوروبية المعنية، وهي بريطانيا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد، عن توحيد موقفها بشكل حاسم. البيان المشترك الصادر عن هذه الدول أكد أن التهديد بفرض رسوم جمركية يضر بشكل كبير بالعلاقات عبر الأطلسي، ويشكل تدهورًا خطيرًا محتملًا. الدول المعنية تؤكد عزمها على مواصلة العمل بشكل موحد ومنسق، مع التمسك القوي بسيادتها.

الوضع الحالي يذكرنا بأهمية الحفاظ على الاستقرار في العلاقات الدولية، خاصةً بين الحلفاء التقليديين. الرسوم الجمركية التي هدد بها ترامب ليست مجرد أداة ضغط، بل هي سلاح ذو حدين قد يؤثر سلبًا على الاقتصاد العالمي.

دعوات لتفعيل آليات الدفاع الأوروبية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتصدر المشهد الأوروبي في الدعوة إلى رد فعل قوي وموحد. من المقرر أن يجري ماكرون اتصالات مكثفة مع نظرائه الأوروبيين لمناقشة كيفية التعامل مع التهديد الأمريكي. وفقًا لمقربين من الرئاسة الفرنسية، سيطالب ماكرون بتفعيل “آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه” إذا ما نفذ ترامب تهديداته.

تتيح هذه الآلية، التي تتطلب موافقة أغلبية الدول الأعضاء، اتخاذ إجراءات مضادة مثل تجميد الوصول إلى الأسواق العامة الأوروبية أو منع استثمارات محددة. هناك قلق متزايد من أن هذه التهديدات قد تقوض الاتفاقية الجمركية المبرمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في يوليو الماضي.

ردود الفعل من ألمانيا وإيطاليا

ألمانيا، القوة الاقتصادية الكبرى في أوروبا، شددت على ضرورة تقديم رد واضح وموحد على تهديدات ترامب. الموقف الألماني يؤكد على أهمية إيصال رسالة قوية إلى واشنطن، مفادها أن أوروبا لن تتنازل عن سيادتها.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، على الرغم من تحالفها اليميني مع ترامب، اعتبرت أن فرض رسوم جمركية جديدة على الدول المعارضة لخطته بشأن غرينلاند هو “خطأ”. وأكدت أنها أبلغت ترامب برأيها مباشرة، وأطلعت الأمين العام للناتو على الأمر، مشيرة إلى أن الحلف بدأ بالفعل في متابعة الأزمة. ميلوني دعت إلى فهم أفضل وتواصل أوضح بين أوروبا والولايات المتحدة حول قضية غرينلاند.

“ترامب سيخسر الكثير”: تحذيرات من تداعيات التصعيد

وزيرة الزراعة الفرنسية آني جونوفار حذرت من أن التصعيد الأمريكي سيكون مكلفًا للولايات المتحدة نفسها. وأشارت إلى أن الرسوم الجمركية المقترحة، التي تبدأ بنسبة 10% في الأول من فبراير وقد تصل إلى 25% في الأول من يونيو، ستضر بالمزارعين والمصنعين الأمريكيين.

جونوفار أكدت أن الأوروبيين لن يسمحوا للولايات المتحدة بتحقيق أهدافها من خلال هذا الضغط، معتبرة أن السيطرة الأمريكية على غرينلاند، وهي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي، أمر “غير مقبول ولا يمكن تصوره”. هذا الموقف يعكس الإصرار الأوروبي على الحفاظ على النظام الدولي القائم على الاحترام المتبادل والسيادة.

الأبعاد الجيوسياسية لقضية غرينلاند

غرينلاند، الجزيرة الضخمة الغنية بالموارد الطبيعية، تقع في موقع استراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا. لطالما كانت هذه المنطقة محط أنظار القوى الكبرى، وتزداد أهميتها مع تزايد فرص الملاحة والتجارة في القطب الشمالي.

الرئيس ترامب أعرب سابقًا عن اعتقاده بأن سكان غرينلاند قد يكونون مهتمين بالانضمام إلى الولايات المتحدة. لكن استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن الغالبية العظمى من سكان الجزيرة، البالغ عددهم حوالي 57 ألف نسمة، يفضلون الاستقلال عن الدنمارك ولا يرغبون في أن تصبح غرينلاند جزءًا من الولايات المتحدة. هذا الرفض الشعبي يمثل عقبة كبيرة أمام أي محاولة أمريكية للاستيلاء على الجزيرة.

اجتماع طارئ لسفراء الاتحاد الأوروبي

في ظل هذه التهديدات المتصاعدة، يعقد سفراء دول الاتحاد الأوروبي اجتماعًا طارئًا في بروكسل اليوم لمناقشة الرد المناسب. من المتوقع أن يركز الاجتماع على تنسيق الموقف الأوروبي، واستكشاف الخيارات المتاحة لمواجهة الضغوط الأمريكية، بما في ذلك تفعيل آليات الدفاع الأوروبية.

الوضع يتطلب حكمة ودبلوماسية عالية، وتجنب أي تصعيد غير ضروري. الحوار والتفاوض هما السبيل الأمثل لحل هذا الخلاف، والحفاظ على العلاقات عبر الأطلسي. التجارة الدولية يجب أن تستمر في التدفق بحرية، دون أن تخضع لابتزاز سياسي.

في الختام، يمثل تصعيد الرئيس ترامب تحديًا كبيرًا لأوروبا. توحيد الموقف الأوروبي، وتفعيل آليات الدفاع، والتمسك بالسيادة، هي خطوات ضرورية لمواجهة هذا التحدي. الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version