سويسرا ترفض توسيع الخدمة الوطنية وفرض ضريبة على الثروات الكبيرة

لم تكن النتائج مفاجئة، ففي الاستفتاء الذي جرى يوم الأحد في سويسرا، فشل كلا المقترحين – توسيع نطاق الخدمة الوطنية الإلزامية لتشمل النساء وفرض ضريبة على الميراث والهدايا الكبيرة جدًا – في الحصول على الأغلبية المطلوبة. ووفقًا للإحصاءات الصادرة بعد الظهر، لم يحصل مقترح الخدمة الوطنية الإلزامية على تأييد يتجاوز 20% في معظم الكانتونات. كانت هذه الاستفتاءات بمثابة اختبار لنظام الديمقراطية المباشرة في سويسرا، وكشفت عن انقسامات عميقة حول قضايا الأمن والمساواة والعدالة الاجتماعية.

الخدمة الوطنية الإلزامية: رفض لتوسيع الالتزام

كانت المبادرة الأولى المتعلقة بتوسيع نطاق الخدمة الإلزامية، والتي تعرف أيضًا بالخدمة العسكرية والمدنية، محط أنظار الكثيرين. حاليًا، يُلزم الشباب السويسريون بأداء الخدمة العسكرية أو الانضمام إلى الدفاع المدني، مع خيار أداء خدمة مدنية بديلة لمن يرفض الخدمة العسكرية. يدفع أولئك الذين يرفضون الخدمة تمامًا رسومًا مالية. تقترح المبادرة المرفوضة توسيع هذا الالتزام ليشمل جميع المواطنين السويسريين، بغض النظر عن الجنس.

وقد دافعت نويمي روتن، إحدى القيادات في الحملة المؤيدة للمبادرة والتي خدمت في الجيش بنفسها، عن الفكرة مؤكدةً أنها تهدف إلى “تعزيز أمن سويسرا وتماسكها على المدى الطويل”. كما ربطت روتن بين هذا التوسع وتحقيق قدر أكبر من المساواة بين الجنسين، معتبرةً أن الخدمة الإلزامية يجب أن تنطبق على الجميع.

أبعاد الرفض: مسؤوليات الرعاية وتكاليف التنفيذ

على الرغم من هذه الحجج، واجهت المبادرة معارضة قوية من مختلف الأطياف السياسية. تحالف يضم الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الشعب السويسري اليميني، رفض الاقتراح. أحد أهم أسباب الرفض هو التأكيد على الدور الكبير الذي تلعبه النساء بالفعل في مجال رعاية الأطفال والرعاية غير المدفوعة الأجر، وأن فرض التزامات إضافية عليهن سيكون غير عادل.

بالإضافة إلى ذلك، أثيرت مخاوف بشأن التكاليف العالية المحتملة لتنفيذ هذه المبادرة، والخسائر الاقتصادية التي قد تنتج عن خروج عدد كبير من الشباب من سوق العمل بشكل مؤقت. هذه العوامل ساهمت بشكل كبير في فشل المبادرة في الحصول على التأييد اللازم.

ضريبة “فاحشي الثراء”: صدمة في النظام المالي السويسري

في الوقت نفسه، طرح مشروع قانون ثانٍ للتصويت، يتعلق بفرض ضريبة وطنية على الميراث والهدايا الكبيرة جدًا. كانت الحملة المؤيدة لهذا القانون، بقيادة الاشتراكيين الشباب (جوسو)، تعتمد على شعار قوي: “الأثرياء الفاحشي الثراء يرثون المليارات، ونحن نرث الأزمات”. الهدف من الضريبة كان توجيه الإيرادات الناتجة نحو حماية المناخ، معتبرين بذلك تطبيق مبدأ “الملوث يدفع”.

ورأت ميريام هوستيمان، رئيسة جوسو، أن أصحاب الثروات الكبيرة يتحملون مسؤولية كبيرة عن الانبعاثات الضارة بالمناخ، وبالتالي يجب عليهم المساهمة في معالجة الأزمة البيئية. كان من المخطط أن تؤثر الضريبة عمليًا على حوالي 2,500 شخص فقط في سويسرا ممن يمتلكون أصولًا تزيد قيمتها عن 50 مليون فرنك سويسري.

معارضة قوية ومخاوف من انتقال الأصول

إلا أن السلطات الفيدرالية حذرت من العواقب السلبية المحتملة لهذه الضريبة، مشيرةً إلى أنها قد تقلل من جاذبية سويسرا للأصول القابلة للنقل دوليًا. علاوة على ذلك، أثارت النسخة الأصلية من المشروع، التي كانت تتضمن تطبيق الضريبة بأثر رجعي، معارضة شديدة من قبل منظمات الأعمال ومحامي الضرائب، مما استدعى إجراء تعديلات لتخفيف هذا البند.

وقالت تقارير إخبارية أن بعض الأفراد الأثرياء والشركات يدرسون بالفعل إمكانية نقل أصولهم خارج سويسرا، هربًا من الضريبة الجديدة. كما حذر خبراء اقتصاديون ومحامون من أن هذا القانون قد يعقد عمليات تخطيط الخلافة للشركات العائلية. وقد وصف بيتر سبولر، مالك شركة ستادلر للسكك الحديدية، المبادرة علنًا بأنها “كارثة” بالنسبة لسويسرا. هذا الرفض يعكس التحديات التي تواجه محاولات تغيير النظام المالي السويسري التقليدي.

الديمقراطية المباشرة: صوت الشعب في التشريع السويسري

تُجرى هذه الاستفتاءات في سويسرا في إطار نظام الديمقراطية المباشرة، الذي يعتبر من أقوى الأنظمة من نوعها في العالم. يسمح هذا النظام للمواطنين بالمشاركة المباشرة في عملية صنع القرار، من خلال التصويت على القوانين الجديدة والسياسات العامة. تُعقد الاستفتاءات الوطنية أربع مرات سنويًا.

ومنذ بدء العمل بالاستفتاء الاختياري في عام 1874، تم إجراء حوالي 200 استفتاء من هذا القبيل، فشل حوالي 40٪ منها في الحصول على الأغلبية المطلوبة. يُعتبر الاستفتاء الاختياري إجراءً ضروريًا إذا تم جمع 50,000 توقيع صالح ضد قانون جديد خلال 100 يوم. كما يوجد استفتاء إلزامي، يُطبق على التعديلات الدستورية، والذي يتطلب موافقة مزدوجة من الأصوات والكانتونات. هذا النظام يعزز الشفافية والمساءلة في الحكم ويضمن أن القوانين تعكس إرادة الشعب.

باختصار، كشف الاستفتاء السويسري عن رفض شعبي لتوسيع نطاق الخدمة الوطنية وفرض ضريبة على الثروات الكبيرة. تؤكد هذه النتائج على أهمية فهم السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي عند تحليل قرارات الناخبين في سويسرا، وعلى قوة نظام الديمقراطية المباشرة في التعبير عن إرادة الشعب. سيكون من المثير للاهتمام متابعة كيف ستؤثر هذه النتائج على مستقبل السياسات المتعلقة بالأمن والمساواة والعدالة الاجتماعية في سويسرا.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version