في خضمّ تصاعد التوترات الإقليمية وتدهور الأوضاع الاقتصادية، تشهد إيران احتجاجات شعبية متزايدة، أثارت ردود فعل دولية حادة، أبرزها تحذير الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من تدخل محتمل في حال استخدام السلطات الإيرانية للقوة المفرطة ضد المتظاهرين. هذه التطورات تلقي الضوء على حالة الاحتجاجات في إيران، وتداعياتها المحتملة على الاستقرار الإقليمي والعلاقات الدولية.

تصعيد اللهجة بين واشنطن وطهران

شن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هجومًا لاذعًا على ترامب، واصفًا تصريحاته بأنها “متهورة وخطيرة”، ومؤكدًا أن الاحتجاجات في إيران “سلمية في معظمها”. وأشار عراقجي إلى أن ترامب نفسه سبق له استخدام القوة ضد متظاهرين داخل الولايات المتحدة، متوعدًا بردّ حاسم في حال أي تدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية.

وفي رد فعل مماثل، حذر علي شمخاني، المستشار السياسي للمرشد الإيراني، من أي تدخل خارجي، مؤكدًا أن “أي يد تتدخل ستُقطع قبل أن تصل”، ومذكراً بتجارب التدخلات الأمريكية السابقة في المنطقة. هذا التصعيد اللفظي يعكس حالة من الاستنفار والترقب في كلا البلدين، ويؤكد على عمق الخلافات بينهما.

تطورات الاحتجاجات وتصاعد العنف

بدأت الاحتجاجات في إيران الأحد الماضي في طهران، احتجاجًا على غلاء المعيشة والتدهور الاقتصادي وانهيار سعر صرف العملة. وسرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى 15 مدينة على الأقل، خاصة في غرب البلاد. ورغم أنها لم ترتقِ بعد إلى حجم التظاهرات التي شهدتها إيران في أواخر عام 2022 أو في نوفمبر 2019، إلا أنها تشكل تحديًا جديدًا للسلطات الإيرانية.

وقد شهدت الاحتجاجات تصاعدًا في العنف، حيث أفادت وسائل إعلام محلية بسقوط ستة قتلى في مواجهات بين قوات الأمن والمتظاهرين. وتشير التقارير إلى أن معظم الضحايا من المدنيين، مما يزيد من حدة الغضب الشعبي.

المواجهات في لردغان وأزنا

أفادت وكالة “فارس” بمقتل شخصين في مدينة لردغان بعد رشق المتظاهرين للمباني الإدارية بالحجارة، بينما قُتل ثلاثة آخرون في مواجهات بأزنا بعد مهاجمة مركز شرطة. كما قُتل عنصر في قوات الباسيج المرتبطة بالحرس الثوري خلال دفاعه عن النظام العام. هذه الأحداث تؤكد على خطورة الوضع وتصاعد التوتر بين المتظاهرين وقوات الأمن.

الأزمة الاقتصادية كخلفية للاحتجاجات

تأتي الاحتجاجات في إيران في ظل أزمة اقتصادية حادة، حيث فقد الريال الإيراني أكثر من ثلث قيمته مقابل الدولار خلال العام الماضي، وارتفع معدل التضخم إلى 52% في ديسمبر. هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة تزيد من معاناة الإيرانيين وتفاقم الغضب الشعبي.

بالإضافة إلى ذلك، تفرض عقوبات أمريكية ودولية على إيران بسبب ملفها النووي والصاروخي، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على البلاد. وتفاقم الوضع بسبب حرب استمرت 12 يومًا مع إسرائيل في يونيو الماضي، والتي طالت منشآت نووية رئيسية في إيران.

موقف السلطات الإيرانية من الاحتجاجات

أكد الناطق باسم الشرطة الإيرانية سعيد منتظر المهدي أن قوات الأمن “تفهم المطالب الاقتصادية المشروعة” التي دفعت المتظاهرين إلى الشوارع، لكنها “لن تتسامح مع أي محاولة لتحويل الاحتجاجات إلى فوضى”. وأشار إلى أن الشرطة “تميّز بوضوح بين المطالب المشروعة والأعمال التخريبية” التي تُستخدم “كذريعة للتدخل الخارجي”.

وحذر المدعي العام لمحافظة لرستان علي حسن وند من أن “أي مشاركة في التجمعات غير القانونية وكل عمل يهدف إلى الإخلال بالنظام العام سيُعد جريمة”، مؤكدًا أن القضاء “سيتعامل معه بأكبر قدر من الحزم”. هذا الموقف يعكس تصميم السلطات الإيرانية على قمع الاحتجاجات والحفاظ على النظام.

مستقبل الأزمة وتداعياتها المحتملة

من الواضح أن الاحتجاجات في إيران تمثل تحديًا كبيرًا للسلطات الإيرانية، وتأتي في وقت حرج تشهد فيه المنطقة توترات متزايدة. الوضع الاقتصادي المتردي، والعقوبات الدولية، والتصعيد اللفظي بين واشنطن وطهران، كلها عوامل تزيد من تعقيد الأزمة.

من المرجح أن تستمر الاحتجاجات في التطور، وقد تتصاعد العنف إذا لم تتخذ السلطات الإيرانية خطوات ملموسة لمعالجة الأسباب الجذرية للاحتجاجات، مثل الأزمة الاقتصادية وغلاء المعيشة. كما أن أي تدخل خارجي في الشأن الإيراني قد يؤدي إلى تصعيد خطير في التوترات الإقليمية. الوضع في إيران يتطلب حذرًا شديدًا ودبلوماسية فعالة لتجنب المزيد من التصعيد وحماية الاستقرار الإقليمي. التطورات في إيران تستدعي متابعة دقيقة وتحليل معمق لفهم التداعيات المحتملة على المنطقة والعالم.

شاركها.
اترك تعليقاً