في خضم التوترات السياسية المتصاعدة حول فنزويلا، كشف مكتب المستشار القانوني للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن تفويض رسمي من وزارة العدل يسمح باستخدام القوات العسكرية للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. هذا الإعلان أثار جدلاً واسعاً حول الشرعية القانونية لأي عملية أمريكية محتملة في كاراكاس، خاصةً فيما يتعلق بالقانون الدولي. يركز هذا المقال على تفاصيل هذا التفويض القانوني، والمسائل المتعلقة بالقانون الدولي، والدفاعات التي قدمتها إدارة ترامب لتبرير هذا الإجراء. اعتقال مادورو هو محور النقاش القانوني والسياسي الذي نتناوله هنا.
تفويض اعتقال مادورو: مذكرة قانونية مثيرة للجدل
في مذكرة مفصلة مكونة من 22 صفحة، قام تي إليوت غايزر، كبير المحامين في مكتب المستشار القانوني (OLC)، بتحليل الجوانب القانونية المتعلقة بالعملية المحتملة. يعتبر مكتب المستشار القانوني الجهة الرئيسية المسؤولة عن تقديم المشورة القانونية للرئيس والوكالات الحكومية الأمريكية. ركزت المذكرة بشكل أساسي على تقييم مدى توافق العملية مع القانون الدولي، وخاصةً ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر على الدول استخدام القوة داخل أراضي دول أخرى دون موافقة تلك الدولة، أو وجود مبرر للدفاع عن النفس، أو الحصول على إذن من مجلس الأمن الدولي.
تجاوز القانون الدولي؟
على الرغم من هذه القيود الواضحة في القانون الدولي، لم يقدم غايزر حكماً قاطعاً بشأن ما إذا كانت العملية ستشكل انتهاكاً للقانون الدولي أم لا. بدلاً من ذلك، أوضح أن هذه المسألة “غير ذات صلة” طالما أن الرئيس ترامب يمتلك السلطة القانونية الداخلية لتفويض العملية. هذا الموقف يثير تساؤلات حول مدى التزام الإدارة الأمريكية بالقانون الدولي، وتركيزها على السلطات الداخلية على حساب الالتزامات الدولية.
سوابق تاريخية وتبريرات قانونية
تستند حجج إدارة ترامب إلى مذكرة OLC سابقة ومثيرة للجدل صدرت عام 1989. هذه المذكرة منحت الرئيس الأمريكي سلطة تجاوز بعض أحكام ميثاق الأمم المتحدة لتنفيذ عمليات اعتقال في أراضٍ أجنبية، وذلك باستخدام مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI). وقد استُخدمت هذه المذكرة لتبرير القبض على الرئيس البنمي مانويل نورييغا بتهم تتعلق بتهريب المخدرات خلال فترة إدارة جورج بوش الأب.
وبالتالي، ترى الإدارة أن الرئيس يمتلك سلطة دستورية ضمنية لتجاوز المعاهدات الدولية في بعض الحالات. ومع ذلك، يرى خبراء القانون أن ميثاق الأمم المتحدة، باعتباره معاهدة متعددة الأطراف صادقت عليها الولايات المتحدة من خلال مجلس الشيوخ، يحمل قوة قانونية مماثلة للقوانين الداخلية، وبالتالي يجب على الرئيس الالتزام به دستورياً.
تقييم العملية: مصلحة وطنية وحرب أم لا؟
أشارت مذكرة مكتب المستشار القانوني إلى أن الرئيس ترامب قد استوفى “اختباراً مزدوجاً” لتقييم العملية. يتضمن هذا الاختبار تحديد ما إذا كانت العملية تخدم مصلحة وطنية، وما إذا كانت طبيعتها ومدتها لا ترتقي إلى مستوى “حرب” بالمعنى الدستوري.
ووفقاً للمذكرة، فإن اعتقال مادورو يخدم عدة مصالح وطنية، بما في ذلك:
- ملاحقة مادورو بتهم تهريب المخدرات، حيث أنه مطلوب منذ عام 2020.
- معالجة التهديد المحتمل لاستقرار المنطقة نتيجة لنتائج الانتخابات الرئاسية الفنزويلية لعام 2024، والتي اعتبرتها الإدارة مزورة.
بالإضافة إلى ذلك، حذر غايزر من أن استخدام القوات العسكرية قد يُنظر إليه على أنه بداية صراع مسلح بموجب القانون الدولي، وأن أي عملية عسكرية برية قد تتطلب موافقة الكونغرس. لكن الإدارة أكدت أنه لا توجد خطط لعملية عسكرية مستمرة أو لاحتلال فنزويلا بعد القبض على مادورو، مما يعني عدم الحاجة إلى موافقة الكونغرس.
سوابق عمليات الاعتقال في الخارج
استشهدت المذكرة بسوابق عمليات اعتقال سابقة نفذها الجيش الأمريكي بالتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالي في أراضٍ أجنبية. من بين هذه السوابق:
- اعتقال عضو في تنظيم القاعدة متورط في تفجيرات السفارات الأمريكية في أفريقيا عام 1998.
- اعتقال مسلح ليبي متهم بالمساعدة في التخطيط لهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي عام 2012.
هذه السوابق، بحسب الإدارة، تثبت أن استخدام القوات العسكرية في عمليات الاعتقال خارج الولايات المتحدة ليس أمراً غير مسبوق، وأنه يمكن تبريره في ظل ظروف معينة.
الضوء الأخضر لضربات ضد زوارق تهريب الكوكايين
في سياق ذي صلة، كشفت صحيفة “الغارديان” في العام الماضي أن مكتب المستشار القانوني منح إدارة ترامب موافقة سرية في 5 سبتمبر لتنفيذ ضربات على زوارق متهمة بتهريب الكوكايين لصالح عصابات المخدرات في المياه الدولية. وقد بررت الإدارة هذا الإجراء بأنه يهدف إلى “تقويض عمليات تمويل العنف” التي تقوم بها هذه العصابات. هذا القرار يعكس أيضاً نهجاً متشدداً تجاه مكافحة المخدرات والتهديدات الأمنية المرتبطة بها.
الخلاصة: مستقبل قانوني معقد
إن تفويض اعتقال مادورو من قبل مكتب المستشار القانوني يمثل تطوراً قانونياً وسياسياً هاماً. في حين أن الإدارة الأمريكية قدمت تبريرات قانونية تستند إلى سوابق تاريخية وسلطات دستورية داخلية، إلا أن هذه التبريرات لا تزال موضع جدل واسع من قبل خبراء القانون الدولي. من الواضح أن أي عملية أمريكية محتملة في فنزويلا ستواجه تحديات قانونية وسياسية كبيرة، وستثير تساؤلات حول التزام الولايات المتحدة بالقانون الدولي. يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه العملية ستنجح في تحقيق أهدافها المعلنة، وما إذا كانت ستؤدي إلى تفاقم الأزمة في فنزويلا. هذا الموضوع يستحق المتابعة والتحليل المستمر لفهم تداعياته المحتملة على المنطقة والعالم.















