في خطوة جريئة تهدف إلى حماية صحة الأجيال القادمة، دخلت المملكة المتحدة مرحلة جديدة في مكافحة السمنة لدى الأطفال من خلال حظر شامل للإعلانات التلفزيونية والإلكترونية للأطعمة غير الصحية. هذا القرار، الذي أثار نقاشات واسعة، يمثل جزءاً أساسياً من استراتيجية وطنية أوسع نطاقاً لمواجهة الزيادة المقلقة في معدلات الوزن الزائد بين الصغار. تتناول هذه المقالة تفاصيل التشريعات الجديدة، دوافعها، وتأثيرها المتوقع، بالإضافة إلى الإحصائيات المقلقة التي دفعت الحكومة لاتخاذ هذه الإجراءات الحاسمة، وتأثيرها على الصحة العامة و الوقاية من الأمراض.
حظر شامل للإعلانات غير الصحية: تفاصيل القانون الجديد
بدأت وزارة الصحة البريطانية في تطبيق قانون يمنع عرض الإعلانات الخاصة بالأطعمة الغنية بالدهون أو السكر أو الملح خلال أوقات الذروة التلفزيونية – أي قبل الساعة التاسعة مساءً – كما يشمل الحظر جميع الإعلانات المدفوعة عبر الإنترنت، دون قيود زمنية. الهدف الرئيسي من هذا القانون هو تقليل تعرض الأطفال لهذه الإعلانات التي غالباً ما تؤثر على خياراتهم الغذائية.
وتشير التقديرات الحكومية إلى أن هذا الإجراء سيساهم في خفض ما يقرب من 7.2 مليار سعرة حرارية من النظام الغذائي للأطفال سنوياً. وهذا بدوره سيؤدي إلى تحسينات كبيرة في صحتهم العامة، ومن المتوقع أن يقلل عدد الأطفال الذين يعانون من السمنة بحوالي 20 ألف طفل، مع تحقيق فوائد صحية تقدر بنحو 2.7 مليار دولار.
أبعاد الحظر: ما هي الأطعمة المستهدفة؟
يركز الحظر بشكل أساسي على الأطعمة التي لا تساهم في نظام غذائي صحي، مثل الوجبات السريعة، الحلويات، المشروبات الغازية، والمنتجات المصنعة الغنية بالسكريات والدهون المشبعة. يشمل ذلك أيضاً الأطعمة المعلبة المعبأة مسبقاً مثل الميلك شيك والقهوة الجاهزة والمشروبات المحلاة الأخرى. تستهدف هذه الإجراءات تحديداً الأطعمة التي تعتبر المساهم الرئيسي في زيادة الوزن ومشاكل الصحة المرتبطة به.
خطوات متكاملة لمكافحة السمنة: استراتيجية وطنية شاملة
إن حظر الإعلانات ليس سوى جزء من حزمة شاملة من الإجراءات الحكومية التي تهدف إلى معالجة مشكلة السمنة لدى الأطفال. وقد اتخذت الحكومة بالفعل خطوات أخرى مهمة في هذا الصدد، مثل توسيع نطاق ضريبة السكر ليشمل مجموعة أوسع من المنتجات، ومنح السلطات المحلية صلاحيات أوسع لتقييد افتتاح مطاعم الوجبات السريعة بالقرب من المدارس.
وتؤمن الحكومة البريطانية بأن الإعلانات تلعب دوراً محورياً في تشكيل العادات الغذائية للأطفال، حيث أنها تؤثر بشكل مباشر على ما يختارونه من أطعمة وعلى متى يتناولونها. ولهذا السبب، تعتبر تقييد التعرض لهذه الإعلانات خطوة أساسية في الوقاية من السمنة وتحسين الصحة العامة.
إحصائيات مقلقة: أرقام صادمة عن السمنة في بريطانيا
تظهر الإحصائيات الرسمية صورة قاتمة لمستويات السمنة بين الأطفال في إنجلترا. تقدر نسبة الأطفال الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة عند دخولهم المرحلة الابتدائية (في سن الخامسة تقريباً) بحوالي 22%. وبشكل أكثر إثارة للقلق، ترتفع هذه النسبة لتتجاوز الثلث (33%) عند انتقالهم إلى المرحلة الإعدادية في سن الحادية عشرة.
لا تقتصر المشكلة على زيادة الوزن فحسب، بل تمتد لتشمل مشاكل صحية أخرى مرتبطة بالسمنة. فوفقاً للمسؤولين، يعتبر تسوس الأسنان السبب الرئيسي لدخول الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين خمس وتسع سنوات إلى المستشفيات في المملكة المتحدة.
ردود فعل إيجابية: دعم واسع للتشريعات الجديدة
حظيت هذه التشريعات الجديدة بدعم واسع من مختلف الجهات المعنية بالصحة العامة. فقد أشادت وزيرة الصحة، آشلي دالتون، بالقرار، مؤكدة أنه سيساعد في الحد من التعرض المفرط للأطعمة غير الصحية. وأوضحت أن هذه الخطوة تأتي في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز الوقاية من الأمراض وعلاجها.
كما أعربت كاثرين جينر، المديرة التنفيذية لتحالف الصحة لمكافحة السمنة، عن تقديرها للإجراء، معتبرة أنه يوفر حماية أفضل للأطفال من الأطعمة والمشروبات الضارة. بدورها، رحبت جمعية السكري الخيرية بالحظر، مشيرة إلى الزيادة المقلقة في حالات داء السكري من النوع الثاني بين الشباب. ودعت الجمعية إلى مواصلة الجهود المبذولة لمكافحة السمنة، باعتبارها عامل خطر رئيسي للإصابة بهذا المرض.
مستقبل مكافحة السمنة: نظرة على الإجراءات القادمة
من المتوقع أن يكون لهذا الحظر تأثير كبير على صناعة الأغذية والإعلانات. وسيضطر المعلنون إلى إعادة النظر في استراتيجياتهم التسويقية والتركيز على الترويج للأطعمة الصحية بدلاً من الأطعمة غير الصحية.
ومع ذلك، يعتبر هذا القانون مجرد خطوة أولى في معركة طويلة الأمد ضد السمنة. يجب على الحكومة والمجتمع المدني العمل معاً لتعزيز العادات الغذائية الصحية لدى الأطفال وتشجيعهم على ممارسة الرياضة بانتظام. يمكن تحقيق ذلك من خلال برامج التوعية الصحية في المدارس، وتوفير خيارات غذائية صحية بأسعار معقولة، وتشجيع الأنشطة البدنية في المجتمعات المحلية. إن الاستثمار في الصحة العامة اليوم هو استثمار في مستقبل أفضل للأجيال القادمة. بالإضافة إلى ذلك، قد تشمل الخطوات المستقبلية مراجعة الملصقات الغذائية لتوفير معلومات أكثر وضوحاً للمستهلكين، وتشجيع الشركات المصنعة للأغذية على تقليل محتوى السكر والدهون والملح في منتجاتها.















