واجه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية توتراً دبلوماسياً كبيراً في نهاية العام 2025، إثر فرض واشنطن عقوبات على مسؤولين أوروبيين بارزين، بمن فيهم المفوض الأوروبي السابق تييري بروتون، بتهمة محاولة “إجبار” شركات التواصل الاجتماعي الأمريكية على الرقابة. هذا التصعيد أثار ردود فعل غاضبة في بروكسل وبرلين وباريس، وأبرز الخلافات المتصاعدة حول السيادة الرقمية وتنظيم الفضاء الإلكتروني.
إدانة أوروبية واسعة النطاق للعقوبات الأمريكية
أعربت المفوضية الأوروبية ومجموعة من الدول الأعضاء عن رفضها القاطع للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة، معتبرة إياها اعتداءً على السيادة الأوروبية وتقويضًا لحقوق التعبير. البيان الصادر عن المفوضية أكد على أن حرية التعبير تمثل “حقًا أساسيًا” و”قيمة جوهرية” مشتركة بين الجانبين، لكنه أضاف أن الإجراءات الأمريكية غير مبررة، وأن الاتحاد الأوروبي “سيرد بسرعة وحزم” إذا لزم الأمر. هذه اللهجة الحادة تعكس مدى حساسية الموضوع بالنسبة للقادة الأوروبيين.
ردود فعل دولية على العقوبات
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول وصفت الخطوة بأنها “غير مقبولة”، بينما اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنها “ترقى إلى مستوى الترهيب والإكراه ضد السيادة الرقمية الأوروبية“. وأضاف ماكرون عبر منصة “إكس” أن فرنسا تدين بشدة هذه القيود، وأن الأوروبيين سيواصلون الدفاع عن استقلالهم التنظيمي.
كما انضمت إسبانيا إلى موجة الإدانة، واصفة الإجراءات بأنها “غير مقبولة بين الشركاء والحلفاء”، ومؤكدة تضامنها مع المسؤولين الأوروبيين الذين يعملون على مكافحة التضليل وخطاب الكراهية.
قانون الخدمات الرقمية في صلب الأزمة
تبرر الولايات المتحدة هذه العقوبات بالقول إنها تستهدف “الرقابة الرقمية” التي يمارسها الاتحاد الأوروبي من خلال قانون الخدمات الرقمية (DSA). هذا القانون، الذي يُعتبر محورياً في جهود تنظيم الإنترنت في أوروبا، يفرض التزامات على منصات التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بمكافحة المحتوى غير القانوني وحماية المستخدمين.
المفوض الأوروبي السابق تييري بروتون، يعتبر “العقل المدبر” لقانون الخدمات الرقمية بحسب واشنطن، وقد تعرض لانتقادات شديدة من الولايات المتحدة بسبب تأثير هذا القانون على شركات التكنولوجيا الأمريكية. ففي وقت سابق من الشهر، فرض الاتحاد الأوروبي غرامة كبيرة على منصة “إكس” لانتهاكها قواعد الإشراف على المحتوى.
رد فعل تييري بروتون على العقوبات
رد بروتون على العقوبات بوصفها “حملة مطاردة الساحرات” مستوحاة من حقبة السيناتور جوزيف مكارثي، معتبراً أنها محاولة لتقويض السيادة الأوروبية. وأكد أن قانون الخدمات الرقمية تم إقراره بشكل ديمقراطي من قبل البرلمان الأوروبي وبإجماع الدول الأعضاء، وأن الهدف منه هو حماية المستخدمين وليس فرض الرقابة.
تفاصيل حزمة العقوبات الأمريكية
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن حظر تأشيرات الدخول على خمس شخصيات أوروبية، بالإضافة إلى مواطنين بريطانيين وألمان، بتهمة التدخل في حرية التعبير على الإنترنت. شملت العقوبات:
- عمران أحمد وكلير ملفورد: رئيسان لمركز مكافحة الكراهية الرقمية ومؤشر التضليل العالمي، وهما منظمتان تعملان على رصد المحتوى الضار على منصات التواصل الاجتماعي.
- آنا-لينا فون هودنبرغ وجوزفين بالون: قيادتان في منظمة “هيت إيد” غير الربحية، التي تتابع انتشار التضليل الرقمي لدى جماعات اليمين المتطرف.
- تييري بروتون: المفوض الأوروبي السابق المسؤول عن تنظيم الإنترنت والرقمنة.
وقالت واشنطن إن هؤلاء الأفراد سعوا إلى “إكراه” المنصات الأمريكية على الرقابة وحرمانها من العائدات وتقويض حرية التعبير.
مستقبل العلاقات الرقمية بين أوروبا وأمريكا
تأتي هذه العقوبات في خضم خلافات متزايدة حول كيفية تنظيم الإنترنت وحماية البيانات، وتوازنات القوى في الفضاء الرقمي. يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز “السيادة الرقمية” من خلال سن قوانين تهدف إلى حماية مصالح مواطنيه وتعزيز الابتكار المحلي.
في المقابل، تعارض الولايات المتحدة هذه القوانين، معتبرة إياها حواجز تجارية وتقويضًا لحرية التعبير. هذا التصعيد يثير تساؤلات حول مستقبل التعاون بين الجانبين في مجال التكنولوجيا، واحتمالية نشوب حرب تجارية رقمية. من الضروري أن يتم حوار بناء بين أوروبا وأمريكا لحل هذه الخلافات بطريقة تضمن حماية حقوق التعبير والابتكار في الوقت نفسه.
يتطلب الأمر إيجاد أرضية مشتركة تحترم السيادة الأوروبية مع مراعاة المصالح الأمريكية، ووضع إطار قانوني دولي يحكم الفضاء الرقمي ويضمن بيئة آمنة ومفتوحة للجميع.















