جولة أولى من الرسائل بين الولايات المتحدة وإيران انتهت، بعد إعلان طهران إرسال ردّها على رسالة ترامب. وفق مصادر يورو نيوز الردّ الإيراني كان إيجابيا حول التفاوض النووي، وسلبيًّا حول البرنامج الصاروخي. تتجّه الأنظار إلى مسار التواصل بين االبلدين، وسط ترقّب لا يغفل عن احتمال اشتباك إيراني إسرائيلي.

اعلان

في كتابه الأخير “طاقة الصبر”، يسرد النائب الأول للرئيس الإيراني للشؤون الاستراتيجية محمد جواد ظريف، بمرارة، الكثير من التحديات الصعبة التي واجهها كمفاوض عن إيران، وسبقت التوصل إلى الاتفاق النووي المعروف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”.

لكن رغم ما يتحدّث عنه وزير الخارجية الإيراني آنذاك، من محاولات روسيّة لعرقلة مسار الأمور، وتراجعات أميركيّة عن بعض التفاهمات، إلّا أنّ خاتمة المفاوضات الشاقّة في فيينا كانت اتفاقًا تاريخيًّا تم بموجبه رفع الكثير من العقوبات التي أضعفت الاقتصاد الإيراني بنسبة ملحوظة جدا.

لكن هذه العقوبات عادت بعد تنفيذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أحد وعود ولايته الرئاسية الأولى، حيث وقّع في 18 أيار / مايو 2018 على انسحاب الولايات المتحدّة من الاتفاق، وهو ما جعله شبه معطّل. خطوة أمريكيّة تصعيديّة في وجه طهران، رحبّت بها إسرائيل حينذاك، لكنّها لم تكن كافية في نظر صنّاع القرار فيها، الذي يؤكدون دائما ضرورة ضمان منع إيران من امتلاك أسلحة نوويّة.

وتعود اليوم التصريحات والجهود للتوصّل إلى اتفاق نوويّ جديد، على وقع المهل والتهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران. لكنّ الظروف الداخلية، والاقليمية، والدولية، تبدو مختلفةً كثيرا بالنسبة لإيران عمّا كانت عليه عام 2015.

ويشير مصدر إيرانيّ مطّلع لـ يورونيوز من طهران إلى أنّ ردّ إيران على رسالة ترامب الأخيرة التي نقلها مسؤول إماراتي لإيران، “تناول النقاط التي ركّز عليها الرئيس الأمريكي في رسالته”.

ويؤكد المصدر أنّ طهران أبدت في ردّها “انفتاحا على التفاوض حول البرنامج النوويّ”، لكنّها رفضت التفاوض على “القدرات الدفاعية والبرامج الصاروخية”.

“الرد الإيراني رفض أيضا ربط المفاوضات النووية بوضع المنظمات الاقليمية المدعومة من إيران”، تضيف المصادر مشيرةً إلى أنّ القيادة الإيرانية “دعت واشنطن إلى التفاوض مع هذه الجماعات مباشرة، لأنّ لا وصاية لطهران عليها”.

وكان وزير الخارجيّة الإيراني عباس عراقجي قد أعلن أنّ طهران أرسلت عبر وساطة سلطنة عمان ردّها على رسالة ترامب. ووفق وسائل إعلام إيرانيّة أبدت إيران استعدادها للتفاوض غير المباشر، وجدّدت رفضها التفاوض تحت الضغط والتهديد.

وبينما حذّر ترامب إيران من أنّها “ستواجه أشياء سيئة إن لم تتوصل إلى اتفاق نووي جديد مع أمريكا”، هدّد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بـ”قصف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، إذا نفذت واشنطن تهديداتها بشنّ عمل عسكريٍّ ضدّ إيران” في حال عدم التوصّل إلى اتفاق.

تواجه إيران اليوم ظروفًا تفاوضيّة أكثر تعقيدًا من تلك التي واجهتها قبل اتفاق 2015. فالشروط الأمريكيّة اليوم أكثر تشدّدًا وكذلك القناعة الأمريكيّة بإمكانيّة فرضها، ربطًا بالتراجع الإقليميّ الكبير الذي منيت به طهران خلال الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، عبر تعرّض حلفائها ومن أبرزهم حزب الله في لبنان لضربات كبيرة، إضافة إلى سقوط نظام بشار الأسد الذي أدّى إلى سحب الوجود الإيرانيّ في سوريا، وقطع طرق الإمداد البريّة بين طهران وحلفائها في المنطقة.

وتقول واشنطن إنّها تعتمد سياسة “الضغوط القصوى” ضد إيران، وذلك عبر فرض العقوبات الاقتصادية عليها بشكل متواصل. وتدين إيران هذه العقوبات، ومطلع هذا الشهر وصف المتحدث باسم خارجيتها إسماعيل بقائي العقوبات الأمريكية بالـ”شريرة”، وقد شملت العقوبات وزير النفط، وعدد من ناقلات النفط والشركات الإيرانية.

ويفرض الواقع الاقتصاديُّ نفسه كورقة ضغط أمريكية في هذه الأزمة. فقد بلغ التضخم نسبة مرتفعة جدا، وانخفض سعر العملة الإيرانية مقابل الدولار إلى مستوى قياسي حيث بلغ مليونا 39 ألف ريال مقابل الدولار.

وتبقي إيران باب التفاوض مفتوحًا، وسط وضعٍ داخليٍّ يسوده الجدل حول “جدوى التفاوض مع ترامب”، كما يصرُّ المسؤولون الإيرانيّون على أنّهم لا يريدون الحرب مع الولايات المتحدة، رغم رفضهم التهديدات الأمريكية اليومية منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.

ومع الضربات المتوالية التي تشنّها القوات الأمريكية على حركة “أنصار الله” في اليمن، يتعزّز الانطباع بجديّة احتمال ذهاب ترامب إلى الخيار العسكريّ.

ولم يوضح ترامب حتى اليوم تفسيره لعبارة “اتفاق نوويّ جديد” مع إيران، وما إذا كانت الشروط الأمريكية تصل حدّ قبول طهران بالتخلّي عن برنامجها النوويّ الذي يؤكد مسؤولوها أنّه محصور بالاستخدامات السلمية.

اعلان

وفي ظلّ الحرب الإقليميّة المستمّرة، يبدو الموقف الأمريكي مساندًا بقوة للموقف الإسرائيلي من طهران وملفها النووي، علمًا أن قصف المنشآت النووية الإيرانيّة خيار يتردّد دائمًا في تصريحات الساسة الإسرائيليين.

وقبل أيام كشف الحرس الثوري الإيراني عن مدينة صاروخية جديدة في أعماق الأرض، لقواته الجوفضائية وأشار إلى أنّها “تضمُّ آلاف الصواريخ الدقيقة”. كما هدّد قائد القوات البحرية في الحرس الثوري علي رضا تنكسيري بـ”تحويل البحر إلى جحيم للصهاينة”.

وكما سلطنة عمان، يبدو أن روسيا ستلعب دورًا في التوسّط بين طهران وواشنطن في الملف النووي، وفق ما نقلت وسائل إعلام روسية مطلع آذار / مارس الحالي. هذا الإعلان لقي ردود فعل متباينة في إيران بين الترحيب والقلق، خصوصا في ظلّ قناعة لدى طيفٍ إيرانيٍّ واسع بأنّ موسكو “يمكن أن تحوّل الملف النوويّ كورقة مساومة مع واشنطن على حساب إيران”.

شاركها.
اترك تعليقاً

2025 © السعودية خبر. جميع حقوق النشر محفوظة.