أطلقت مذكرة التفاهم بين دمشق وموسكو حول قاعدتي حميميم وطرطوس مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، إذ تنص المذكرة على نقل إدارة مرافق مدنية مثل مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس إلى السلطات السورية خلال ثلاثة أشهر، مع تحويل الصفة العسكرية لبعض المنشآت إلى مراكز تدريب وتأهيل مشترك. جاء ذلك بعد مفاوضات استمرت نحو عام ونصف وزيارات متبادلة، بحسب المصادر الرسمية.
المذكرة التي تبلورت عقب زيارتين للرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو في أكتوبر 2025 ويناير 2026 تعيد ترتيب العلاقة العملية بين البلدين، من خلال دمج بعض البنى العسكرية في المنظومة المدنية السورية وتحديد أطر تعاون تقني وعسكري جديدة، وفق نصوص المذكرة ومحللين سياسيين تحدثوا لوسائل إعلام.
مذكرة التفاهم بين دمشق وموسكو وتفاصيل التحول
تنص مذكرة التفاهم بين دمشق وموسكو على أن تصبح المنشآت المخصصة للاستخدام المدني —كورود مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس— تحت إدارة الدولة السورية تدريجياً، مع إبقاء قدرات التدريب والصيانة بصفة مشتركة. كما حدّدت الوثيقة سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لدخول الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ، بحسب نص المذكرة والمصادر المشاركة في المفاوضات.
وتشمل التفاهمات أيضاً آليات لصيانة أنظمة التسليح الروسية المستخدمة لدى الجيش السوري وتنسيقاً في مجالات التدريب والتنظيم اللوجستي، مع إبقاء مهام أمنية وإنسانية مشتركة مثل مراقبة السواحل ومكافحة القرصنة البحرية ضمن أجندة التعاون.
من السيطرة إلى السيادة: قراءة تحليلية
يرى الباحث ياسر النجار أن مذكرة التفاهم بين دمشق وموسكو تعبّر عن تحول مهم من مربع السيطرة إلى مربع السيادة، إذ تسمح لدمشق بفرض سيادتها الكاملة على أراضيها ومواردها بينما تضمن استمرار الدعم التقني الروسي للجيش السوري. في المقابل، يقول المحلل الروسي يفغيني سيدروف إن الاتفاق يعيد العلاقات إلى منطق براغماتي يشبه تعاون السبعينيات والثمانينيات، مبنياً على المصالح المشتركة بعيداً عن الخطاب الإيديولوجي.
بالنسبة إلى دمشق، تمثل هذه الخطوة فائدة مزدوجة: استعادة إدارة مرافق مدنية حيوية مثل قاعدة حميميم وميناء طرطوس، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بإمكانات عسكرية وتدريبية تُسهم في تحديث قدرات الجيش السوري.
تصفية هادئة لشراكة طويلة وأبعادها الإقليمية
يوصف ما جرى بأنه «تصفية هادئة» لشراكة امتدت لسنوات، إذ فضّلت القيادة السورية تفكيك ترتيبات قديمة عبر أطر قانونية تفاوضية بدلاً من المواجهة. الباحث لقاء مكي يعتبر أن هذا الأسلوب حافظ على مصالح دمشق الحيوية مثل صيانة المنظومات العسكرية واستمرار التعاون في قطاعات حيوية.
في السياق الإقليمي، تمنح الاتفاقية دمشق هامش مناورة أكبر في ملفات إقليمية معقدة حيث يظهر ثقل موسكو كعضو دائم في مجلس الأمن مفيداً لدمشق، بينما تقلص الإمكانية الروسية لاستخدام ميناء طرطوس كنقطة انطلاق لتوسع لوجستي مستقل نحو إفريقيا، بحسب محللين مطلعين.
قضايا حساسة: الأسد والعدالة الانتقالية
يبقى ملف تسليم المطلوبين والعدالة الانتقالية من أكثر نقاط التوتر حساسية، واسم بشار الأسد يتصدر النقاشات. ويرجح بعض المحللين أن روسيا ستحجم عن تسليم الأسد لأسباب سياسة وإنسانية، مع إمكان بذل جهود لتشكيل تفاهمات استثنائية على مستوى عالٍ لتفادي آثار سلبية على العلاقات الثنائية.
من ناحية أخرى، يرى معلقون أن المذكرة بعثت رسالة إلى عناصر النظام السابق بأنه لم يعد هناك غطاء روسياً مطلقاً، ما قد يفتح باب تفاوض دمشق لطلب تسليم مسؤولين اثبتت تورطهم في انتهاكات، لكن أي تقدم في هذا الملف سيظل مرهوناً بتفاهمات معقدة ودقيقة بين العاصمتين.
تأثيرات عملية وبنود قابلة للمتابعة
من الناحية العملية، ستؤثر المذكرة على إدارة المرافق المدنية والعسكرية في المناطق الساحلية، وتضع إطاراً زمنياً واضحاً لتنفيذ التحولات. ومن المتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة اتفاقات تفصيلية حول آليات التمويل والصيانة وبرامج التدريب المشترك، بحسب خبراء عسكريين ودبلوماسيين تحدثت إليهم وسائل إعلام.
علاوة على ذلك، قد يؤثر الاتفاق في علاقات دمشق مع واشنطن وأوروبا، إذ ينعكس تحسّن القدرة السورية على إدارة علاقاتها الخارجية بمرونة، بينما يبقى الملف الإيراني استثناءً بسبب استمرار سياسات طهران ووجود ميليشيات تدعمها داخل سوريا.
خلاصة وخطوات مقبلة
تشكل مذكرة التفاهم بين دمشق وموسكو محطة مفصلية تعيد تشكيل التعاقد الأمني والاقتصادي بين البلدين وتمنح دمشق زماماً أكبر في إدارة مرافقها، مع استمرار تبادل الدعم الفني والتدريبي. الخطوة القادمة التي ينبغي مراقبتها هي التنفيذ العملي للاتفاق خلال الأشهر الثلاثة المعلنة، وآليات تطبيق البنود المتعلقة بالعدالة الانتقالية وتبادل المعلومات بشأن المطلوبين.
المراقبون سيقفون على مؤشرات عدة خلال الفترة المقبلة: دخول الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ، صياغة اتفاقيات صيانة وتسليح لاحقة، وطبيعة التنسيق الروسي-السوري في الملفات الإقليمية مثل الملف الإيراني وقضايا الأمن البحري.














