كابل – لا يمكن قراءة استهداف مطعم صيني في العاصمة الأفغانية كابل، مساء الاثنين، خارج سياق التحولات العميقة التي يشهدها المشهد الأفغاني منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم عام 2021. الهجوم، الذي أثار موجة إدانة واسعة، يمثل أكثر من مجرد عمل إرهابي، بل هو رسالة معقدة تتضمن أبعادًا سياسية وأمنية واقتصادية، وتستهدف بشكل خاص العلاقات المتنامية بين أفغانستان والصين.

الهجوم على مطعم كابل: إعادة تنظيم الدولة – خراسان إلى الواجهة

ويرى محللون أن الهجوم أعاد تنظيم الدولة -فرع خراسان- إلى واجهة المشهد، ليس بوصفه تهديدا أمنيا عابرا، بل فاعلا يسعى لإعادة التموضع وضرب معادلات ناشئة، في مقدمتها الانفتاح الصيني على أفغانستان. هذا الانفتاح، الذي تجلى في استئناف العلاقات الدبلوماسية وزيادة الاستثمارات، يمثل فرصة حيوية لحكومة طالبان، ولكنه في الوقت ذاته يثير قلق الجماعات المتطرفة التي تسعى لتقويض سلطتها.

أما عن اختيار الهدف فيطرح أسئلة تتجاوز الفعل ذاته، لتشمل قدرة الحكومة الأفغانية على إدارة ملف التنظيمات المتطرفة، وحدود نجاحها في تقديم نفسها ضامنا للاستقرار. الهجوم، الذي استهدف مطعما يرتاده أجانب ورجال أعمال صينيون، لا يُنظر إليه -بحسب مراقبين- بوصفه “عملية إرهابية معزولة” بل رسالة سياسية وأمنية مركَّبة، موجهة إلى أطراف عدة في آن واحد، على رأسها الصين، الحليف الدولي الأبرز لحركة طالبان.

لماذا المصالح الصينية في أفغانستان مستهدفة؟

يشير المحللون إلى أن اختيار المطعم الصيني لم يكن عشوائيا، إذ تُعَد الصين اليوم أبرز داعم دبلوماسي للحكومة الأفغانية الحالية، وكانت أول دولة كبرى تستقبل سفيرا معتمدا من كابل. كما تمثل الشريك الاقتصادي الأكثر تأثيرا من خلال مشروعات التعدين الضخمة التي تسعى بكين إلى تنفيذها في أفغانستان.

ويؤكد خبير الشؤون الآسيوية عبد الكريم محمود أن “الهجوم يضرب في صميم الرهان الصيني على الاستقرار النسبي في أفغانستان، ويبعث برسالة مفادها أن طالبان -رغم تعهداتها- عاجزة عن توفير الحماية للمصالح الأجنبية”. ويضيف محمود أن “أي استهداف مباشر للصينيين لا يمكن فصله عن محاولة زعزعة التوازن القائم بين بكين وكابل”.

رمزية الهدف: أكثر من مجرد مطعم

ويرى مراقبون أن الهجوم استهدف رمزا سياسيا واقتصاديا أكثر من كونه مطعما وهدفا مدنيا، في محاولة لضرب العلاقة بين كابل وبكين، وبعث رسالة واضحة مفادها أن أفغانستان لا تزال بيئة خطرة على المصالح الأجنبية، مهما بلغت تعهدات الحكومة الأفغانية. هذا يضع استثمارات الصين في أفغانستان تحت مجهر التدقيق، ويطرح تساؤلات حول جدوى المخاطرة في ظل استمرار التهديدات الأمنية.

خيارات الصين الاستراتيجية بعد هجوم كابل

الهجوم في كابل تزامن مع حوادث أمنية أخرى استهدفت مواطنين صينيين قرب الحدود الأفغانية الطاجيكية، وهو ما دفع مراقبين إلى الحديث عن نمط أمني متكرر يهدف إلى تكريس صورة أفغانستان بوصفها بيئة غير آمنة للاستثمارات الصينية. ويواجه صانع القرار الصيني الآن معادلة معقدة: الاستمرار في الاستثمار في أفغانستان على الرغم من المخاطر، أم تقليص الوجود الصيني لحماية مصالحها؟

الباحث في شؤون الحركات الجهادية فيصل كريمي يرى أن “الرسالة واضحة، هي الوجود الصيني في أفغانستان”، مضيفا أن “هذا النوع من العمليات قد يكون مصمَّما لإجبار بكين على مراجعة وجودها في أفغانستان”. ويحدد كريمي ثلاثة مسارات محتملة أمام الصين:

  • زيادة الضغط السياسي على الحكومة الأفغانية الحالية، مقابل استمرار الدعم والاستثمار.
  • تعميق التعاون الأمني والاستخباري بشكل غير معلن.
  • تقليص وجودها تدريجيا إذا استمرت الهجمات.

ويؤكد الخبراء أن أي خيار من هذه الخيارات يحمل تكلفة سياسية وأمنية، ليس فقط للصين بل لطالبان أيضا.

هل يشكل تنظيم الدولة تهديدًا حقيقيًا للاستقرار في أفغانستان؟

مثَّل الهجوم على المصالح الصينية في أفغانستان ضربة مباشرة لخطاب الحكومة الأفغانية الرسمي، التي كانت تؤكد مرارا نجاحها في القضاء على تنظيم الدولة. قدرة التنظيم على تنفيذ عملية معقدة في واحدة من أكثر مناطق كابل تحصينا أعادت طرح سؤال محوري: أيعكس هذا فشلا أمنيا داخليا أم جزءا من لعبة إقليمية أوسع؟

يقول المحلل الأمني الأفغاني جميل الكوزي إن “تنظيم الدولة لم يختفِ يوما بل تراجع تكتيكيا”، مشيرا إلى أن البيئة الإقليمية المتوترة توفر له دائما مساحات لإعادة “التموضع”. ويضيف أن ظاهرة تنظيم الدولة ليست أفغانية، وأن المجتمع الدولي -خاصة الصين وروسيا- يجب أن يساعد طالبان في مكافحة التنظيم.

صراع النفوذ الإقليمي وتداعياته على أفغانستان

يربط مراقبون بين هجوم كابل وتوترات إقليمية أوسع، خاصة مع باكستان التي تمر علاقاتها مع طالبان بمرحلة حساسة لأسباب عدة، أبرزها الخلاف بشأن خط ديوراند، ونشاط حركة “طالبان باكستان” داخل الأراضي الباكستانية، والاتهامات المتبادلة بالتقصير الأمني.

ويرى الباحث في الشؤون الأمنية عبد القدير جليلي أن تصاعد نشاط تنظيم الدولة قد يخدم -بشكل غير مباشر- مصالح أطراف إقليمية تسعى للضغط على طالبان، أو لإظهار أفغانستان مصدر تهديد دائم. ويشير وزير الدفاع الأفغاني السابق شاه محمود مياخيل إلى أن الهجوم على مطعم صيني “يتجاوز كونه عملا إرهابيا تقليديا”، ويكشف عن صراع نفوذ إقليمي معقد، تُستخدم فيه الجماعات المتطرفة أدوات ضغط، وتُختبر فيه حدود القوة الصينية، وقدرة طالبان على التحول من حركة مسلحة إلى دولة قادرة على فرض الأمن.

مستقبل العلاقات الأفغانية الصينية في ظل التحديات الأمنية

في الختام، يمثل استهداف المصالح الصينية في أفغانستان نقطة تحول حرجة في المشهد الأمني والسياسي. الهجوم ليس مجرد تهديد للاستثمارات الصينية، بل هو تحدٍ مباشر لشرعية حكومة طالبان وقدرتها على توفير الأمن. يتطلب التعامل مع هذا التحدي تعاونًا وثيقًا بين أفغانستان والصين والمجتمع الدولي، بالإضافة إلى معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتعزيز الاستقرار الإقليمي. المستقبل سيحدد ما إذا كانت بكين ستختار الاستمرار في دعم أفغانستان، أم ستعيد تقييم استراتيجيتها في ظل هذه الظروف المتغيرة.

شاركها.
اترك تعليقاً