في خضم الترويج الإسرائيلي المستمر للحرب الحالية باعتبارها ساحة تحقيق إنجازات واستعادة الردع، تظهر تحليلات ومقالات رأي في الصحافة العبرية صورة مغايرة تمامًا لما يُعرض على الملأ. هذه النصوص لا تقتصر على تقييم نتائج المعارك أو حدود القوة النارية، بل تفتح ملفات حساسة تتعلق ببنية الجيش الإسرائيلي، والمزاج العام في المجتمع، والممارسات في الضفة الغربية، وقدرة القيادة على ترجمة أي مكسب عسكري إلى مسار سياسي مستدام. هذه المقالات، الصادرة عن كتاب من خلفيات متنوعة داخل المجتمع الإسرائيلي – باحثون عسكريون سابقون، ومعلقون بارزون، ورؤساء استخبارات سابقون – تكتسب وزناً إضافياً في هذا التوقيت الحرج. الحرب في غزة ليست مجرد معركة عسكرية، بل هي مرآة تعكس أزمات عميقة داخل إسرائيل.

انهيار أخلاقي في الجيش الإسرائيلي: رؤوفين غال يشرح

يُلقي الكاتب رؤوفين غال، وهو خبير نفسي عسكري سابق شغل منصب كبير علماء النفس في الجيش الإسرائيلي، الضوء على خلل عميق يتجاوز الأداء العملياتي. في مقال له بصحيفة “هآرتس” بعنوان “هناك انهيار أخلاقي في الجيش الإسرائيلي، والجنود هم الضحايا الصامتون”، يوضح غال أن ما كشف عنه السابع من أكتوبر 2023 لم يكن مجرد فشل تكتيكي، بل “فشلًا ثقافيًا قيمياً”.

ويشير إلى أن أعدادًا متزايدة من الجنود والضباط يعانون من إحباط عميق وشعور بالخيانة، مع ظهور أعراض الصدمة الأخلاقية وتداعياتها. هذه الصدمة، بحسب غال، هي جرح خفي في المجتمع الإسرائيلي، تختبئ خلف خيبة الأمل وانعدام الثقة في الجيش. هذا التحليل يمثل تحديًا مباشرًا للرواية الرسمية التي تركز على قوة الجيش وأخلاقه.

أزمة مجتمعية تتجاوز المؤسسة العسكرية

بعد مقال غال الذي ركز على الجيش، يوسع الكاتب جدعون ليفي نطاق الأزمة ليشمل المجتمع الإسرائيلي ككل. في مقال له في “هآرتس”، يرى ليفي أن الأزمة لم تعد مقتصرة على سلوك المؤسسة العسكرية، بل تمتد إلى طريقة تعامل المجتمع مع الحرب والفقد والاستمرار.

ويثير ليفي قضية حساسة للغاية داخل إسرائيل: الحدود الفاصلة بين الحداد، وتمجيد التضحية، وتطبيع الموت كجزء من دورة الحياة القومية. هذا التحليل يطرح تساؤلات حول القيم الأساسية للمجتمع الإسرائيلي وكيفية تعامله مع الحرب وتكاليفها الإنسانية. الضفة الغربية تشكل جزءًا لا يتجزأ من هذه الأزمة المجتمعية.

إرهاب المستوطنين والمسؤولية المباشرة

لا تقتصر المقالات النقدية على الداخل الإسرائيلي، بل تتجاوزه إلى الضفة الغربية. المؤرخ الإسرائيلي جدعون أفيتال إبستين يوجه اتهامًا مباشرًا في مقال له في “هآرتس” بعنوان “المذابح، والترحيل، والتهديدات.. هناك شخص مسؤول عن العنف في الضفة الغربية: إنه إيال زامير”.

ويصف إبستين “الإرهاب اليهودي” بأنه “مباح تمامًا”، ويتهم الجنود والشرطة والمستوطنين بالتعاون لجعل حياة السكان المحليين بائسة. ويحمّل رئيس الأركان، إيال زامير، المسؤولية الشخصية عن الجرائم التي ترتكب في الضفة الغربية، متهمًا الجيش بالتغاضي عن الظلم في أحسن الأحوال، ورعايته في أسوئها، والمشاركة فيه أحيانًا. ويحذر من أن هذا المسار قد يؤدي إلى اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

ارتباك القيادة والإخفاق الاستراتيجي

على المستوى السياسي والاستراتيجي، تكشف مقالات أخرى عن صورة قاتمة للقيادة الإسرائيلية. يوآف ليمور، المحلل العسكري في صحيفة “إسرائيل اليوم”، يكتب في 19 أبريل/نيسان أن إسرائيل فشلت في تحقيق أي نصر على أي جبهة بعد 925 يومًا من القتال. ويصف تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي منعت إسرائيل من مهاجمة لبنان بأنها “إهانة علنية”، ويخلص إلى أن إسرائيل “حوّلت نفسها إلى محمية أمريكية”.

هذا التحليل يتوافق مع مقال العقيد السابقة في الجيش الإسرائيلي، تاليا لانكري، في “يديعوت أحرنوت”، والتي تؤكد أن “نزع سلاح حزب الله لم يكن جزءًا من المهمة”، وأن “بدون بُعد سياسي، لن يكون لهذه الحرب نهاية حقيقية”. القيادة الإسرائيلية تواجه تحديات كبيرة في تحديد أهداف واضحة وواقعية.

قلق من فقدان الاستقلالية وضرورة وقف إطلاق النار

اللواء السابق عاموس يادلين، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ومع أودي أفنتال في القناة 12، يطرحان وجهة نظر مماثلة في مقال بعنوان “وقف إطلاق النار في لبنان.. الخطوة الصحيحة حتى وإن فُرضت علينا”. ويشيران إلى أن فرض التهدئة على إسرائيل كان “مثيراً للقلق للغاية، إذ فقدت الحكومة الإسرائيلية فعليًا استقلاليتها في اتخاذ القرارات”، مع الإقرار بأن وقف النار “خطوة صحيحة من الناحية الاستراتيجية”.

ويطالبان الحكومة بالتوقف عن “تضليل الشعب وتقديم وعود عسكرية غير قابلة للتحقيق”. هذه المقالات تربط بين الخلل الأخلاقي في الداخل الإسرائيلي وبين الإخفاق السياسي في إدارة الحرب، وتكشف عن أزمة قيادة رفعت سقف الأهداف، ووسعت الفجوة بين الخطاب والواقع، ودخلت الحرب من دون تصور واضح لنهايتها السياسية.

في الختام، تكشف هذه التحليلات النقدية في الصحافة العبرية عن صورة معقدة ومقلقة للوضع في إسرائيل. إنها تتجاوز الروايات الرسمية وتركز على الأزمات العميقة التي تواجه الجيش والمجتمع والقيادة الإسرائيلية. هذه المقالات، الصادرة عن شخصيات ذات مصداقية وخبرة، تثير تساؤلات مهمة حول مستقبل إسرائيل وقدرتها على تحقيق الاستقرار والأمن. من الضروري متابعة هذه التحليلات بعناية لفهم التطورات الجارية في المنطقة بشكل كامل.

شاركها.
اترك تعليقاً